فريق دبلوماسي يعمل من دمشق نصف كل شهر، وجولات في مناطق متضررة ومحادثات حول الحدود وإعادة الإعمار، فيما تتقدم عودة السوريين على أجندة العلاقة الجديدة بين البلدين
تكثف هولندا حضورها داخل سوريا مع بدء قائم الأعمال ألكسندر «ليكس» غيرتس وفريق دبلوماسي جديد العمل بصورة دورية من دمشق، في خطوة وضعتها الحكومة الهولندية ضمن مصالحها المرتبطة بالهجرة والأمن والاستقرار. وسيقضي غيرتس وفريقه نحو أسبوعين من كل شهر في العاصمة، بالتوازي مع توسيع الاتصالات الحكومية والزيارات الميدانية داخل البلاد.
ويحتل ملف عودة السوريين موقعاً متقدماً في هذا التحرك. فقد جمعت اللقاءات الرسمية خلال الأشهر الماضية بين العودة وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، ودخل التعاون في الهجرة وإدارة الحدود إلى المحادثات المباشرة مع السلطات السورية. وفي مايو/أيار، ترأست هولندا وسوريا اجتماعاً دولياً في نيويورك خُصص للعلاقة بين العودة وإعادة الإعمار، قبل انتقال هذه الملفات إلى مستوى وزاري خلال زيارة رسمية هولندية إلى دمشق في يونيو/حزيران.
الحضور الهولندي ينتقل إلى الميدان
بدأ الفريق الدبلوماسي الجديد نشاطه بلقاء مسؤولين حكوميين وممثلين عن المجتمع المدني ومحللين ومؤسسات تابعة للأمم المتحدة، وتناولت المحادثات الاستقرار الإقليمي وإعادة الإعمار والتطورات الداخلية والدور الهولندي في سوريا.
ومن وسط دمشق، انتقل غيرتس إلى جوبر، الحي الذي تعرض لدمار واسع خلال سنوات الحرب. واختصر القائم بالأعمال مشاهداته بالقول إن «التباين بين وسط دمشق وجوبر هائل»، في وصف يعكس تفاوتاً واضحاً بين مركز العاصمة ومنطقة متضررة تقع على مسافة قريبة منه.

ثم امتدت الجولات إلى داريا والنشابية والتل في محيط دمشق، حيث التقى الفريق سكاناً ومسؤولين محليين ومزارعين واطلع على جهود التعافي. وأشار غيرتس إلى مساهمات هولندية، عبر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة العمل الدولية والمنظمة الدولية للهجرة، في البنية التحتية والسكن والخدمات الأساسية، ومنها التعليم والرعاية الصحية.
وقدمت الجولات صورة عن الظروف المعيشية في المناطق التي شهدت سنوات من الحرب، حيث يرتبط التعافي بإعادة تأهيل المساكن والبنية التحتية واستعادة الخدمات والنشاط الاقتصادي. وظهر القطاع الزراعي أيضاً في لقاءات الفريق، مع اهتمام سوري بالخبرة والابتكار الهولنديين ودور الزراعة في تحريك الاقتصاد المحلي.
وحضر ملف الهجرة بصورة مباشرة خلال هذه التحركات، إذ بحث الفريق مع السلطات السورية التعاون في إدارة الحدود والدعم الذي يمكن أن تقدمه هولندا في هذا المجال، لتلتقي الزيارات الميدانية مع الملفات التي تبحثها لاهاي سياسياً مع دمشق.
أما أمنياً، فتتعامل الحكومة الهولندية مع سوريا وفق تقييمات فردية ومناطقية. ويتيح تحديث السياسة الهولندية الصادر في أبريل/نيسان 2026 دراسة إعادة طالب اللجوء السوري المرفوض بحسب ظروفه الأمنية الفردية، مع فحص إمكان وجود منطقة آمنة أخرى داخل البلاد في كل حالة على حدة.
من إغلاق السفارة إلى استعادة الحضور
يأتي النشاط الحالي بعد مسار بدأ بإغلاق السفارة الهولندية في دمشق عام 2012 وتجميد العلاقات الدبلوماسية خلال عهد بشار الأسد. وبعد سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، بدأت الاتصالات مع السلطات الجديدة تتوسع تدريجياً، ودخلت الهجرة والعودة ضمن الأولويات الهولندية في إعادة بناء هذه القنوات.
وشهد عام 2026 تسارعاً واضحاً في هذا المسار. ففي 24 يونيو/حزيران، وصل وزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن إلى دمشق برفقة نائب رئيس الوزراء ووزير اللجوء والهجرة بارت فان دن برينك، والتقيا الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني.
وخرجت المحادثات باتفاق على تعاون منظم عبر لجنة مشتركة في إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية وعودة السوريين. وقال بيريندسن إن استقرار سوريا يخدم المصالح الهولندية، فيما ربط فان دن برينك إعادة بناء البلاد بتوسيع فرص العودة.
وفي 15 سبتمبر/أيلول، أعلنت الحكومة الهولندية تكثيف حضورها الدبلوماسي في دمشق، وحددت الهجرة والأمن والاستقرار بين المصالح التي تقف وراء الخطوة. وبعدها بدأ غيرتس مهمته مع الفريق الجديد والعمل من العاصمة بصورة دورية.
ووصل التواصل السياسي إلى مستوى أعلى خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث التقى رئيس الوزراء الهولندي روب يتين الرئيس أحمد الشرع. وبعد اللقاء، ربط يتين عودة السوريين بإعادة بناء البلاد، وتحدث عن أهمية التوصل إلى ترتيبات مع الحكومة السورية بشأن العودة.
العودة الطوعية والقسرية على طاولة البلدين
تدعم الحكومة الهولندية عودة السوريين الراغبين في المغادرة طوعاً، وتعمل في الوقت نفسه على فتح مسار للعودة القسرية للأشخاص الذين انتهت إجراءاتهم وأصبحوا ملزمين بالمغادرة. وخلال زيارة يونيو، وصف وزير اللجوء والهجرة العودة القسرية بأنها أولوية للحكومة، وأكد استمرار المحادثات مع السلطات السورية بشأن توفير الظروف العملية اللازمة لتنفيذها.
ويحمل الجانب السوري تصوراً مختلفاً لإيقاع هذا المسار. فقد قالت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات إن سوريا ترحب بعودة مواطنيها وتحتاج إلى خبراتهم، وربطت المرحلة الحالية بالعودة الطوعية والاستعداد لاستقبال العائدين. وأشارت إلى الدمار ونقص فرص العمل والمدارس والحاجة إلى إعادة الإعمار، محذرة من تداعيات إعادة أشخاص بالإكراه في هذه الظروف.
ويكتسب الموقف السوري أهمية عملية، لأن تنفيذ الترحيل القسري يحتاج إلى تعاون بلد المنشأ في إجراءات العودة والتحقق من الهوية ووثائق السفر. وحتى الآن تتركز العودة الفعلية من هولندا إلى سوريا في المسار الطوعي، بينما تستمر المحادثات مع دمشق حول المسار القسري.
وتتقاطع هذه المباحثات مع إعادة الإعمار. ففي الاجتماع الدولي الذي ترأسته هولندا وسوريا في مايو/أيار، ناقش المشاركون العلاقة بين عودة السوريين وإعادة بناء البلاد، والعمل على مشاريع تساهم في توفير ظروف تسمح بعودة أكثر استدامة.
وبالنسبة إلى السوريين في هولندا، يبقى الوضع القانوني لكل شخص أساسياً. فهناك فرق بين من يختار العودة طوعاً، ومن صدر بحقه قرار مغادرة بعد رفض طلب اللجوء، وأصحاب تصاريح الإقامة، بينما تخضع قرارات الحماية والعودة لتقييم الحالة الفردية والظروف في المنطقة المعنية داخل سوريا.
بعد أربعة عشر عاماً على إغلاق سفارتها، تدخل العلاقة بين لاهاي ودمشق مرحلة جديدة تتداخل فيها الدبلوماسية مع ملفات الهجرة والأمن وإعادة الإعمار. وقد أصبحت عودة السوريين أحد المحاور الرئيسية لهذا الحضور، من المفاوضات الحكومية وإدارة الحدود إلى متابعة الظروف داخل المناطق التي سيعود إليها السكان.
وبين رغبة هولندا في توسيع العودة، وتمسك دمشق في المرحلة الحالية بالمسار الطوعي، تتقدم المفاوضات على أرض ما تزال فيها شروط العودة نفسها قيد البناء: الأمن والسكن والخدمات والعمل وإعادة إعمار المناطق المتضررة.
اقرأ أيضاً: تغيير طريقة صرف مساعدات عودة السوريين من هولندا، وتصريحات وزير اللجوء الهولندي عن اندماج السوريين وصعوبات العودة.