عاجل
آخر تحديث 17:50

دمشق تفتح دفاتر الأسد.. ماذا تريد سوريا مقابل تسليم أسرار البرنامجين الكيميائي والنووي؟

لا تتعامل السلطات السورية الجديدة مع ترسانة بشار الأسد الكيميائية والملف النووي القديم بوصفهما إرثاً تقنياً ينبغي التخلص منه فحسب. […]

دمشق تفتح دفاتر الأسد.. ماذا تريد سوريا مقابل تسليم أسرار البرنامجين الكيميائي والنووي؟
أدوات القراءة
حجم الخط

لا تتعامل السلطات السورية الجديدة مع ترسانة بشار الأسد الكيميائية والملف النووي القديم بوصفهما إرثاً تقنياً ينبغي التخلص منه فحسب. فخلال فترة زمنية متقاربة، فتحت دمشق أبواب مواقع كانت مغلقة أمام المفتشين الدوليين، وقدمت معلومات جديدة عن أنشطة لم تكن معلنة سابقاً، وبدأت عملية تدمير ذخائر مرتبطة بالبرنامج الكيميائي، في وقت تتحرك فيه أيضاً باتجاه محاسبة أشخاص يشتبه بضلوعهم في هذا الملف.

تزامن المسارين الكيميائي والنووي يطرح سؤالاً يتجاوز مضمون التقارير الدولية: لماذا تفتح دمشق هذه الملفات الآن، وماذا يمكن أن تحصل عليه سياسياً واقتصادياً مقابل التعاون في تفكيك واحد من أثقل إرث تركه نظام الأسد في علاقات سوريا مع العالم؟

من الإنكار إلى فتح الأبواب

أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بالتعاون مع السلطات السورية، بدء مرحلة جديدة من التخلص من بقايا البرنامج الكيميائي الذي ظل موضع خلاف دولي لأكثر من عقد. وذكرت رويترز أن العملية شملت التحقق من تدمير 42 قنبلة جوية مرتبطة بالبرنامج السابق، بالتوازي مع العمل على منشآت ومواد أخرى ظهرت خلال التحقيقات الجارية.

لكن أهمية التطور لا تكمن في عدد الذخائر وحده. فمنذ انضمام سوريا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 2013، ظل السؤال الدولي قائماً حول مدى اكتمال الإعلان الذي قدمته حكومة الأسد عن برنامجها. منظمة حظر الأسلحة الكيميائية قالت على مدى سنوات إن الإعلان السوري السابق يحتوي على مسائل لم تحسم، فيما جاءت السلطات الجديدة لتفتح مواقع وتقدم معلومات لم تكن متاحة سابقاً.

وهذا يعني أن دمشق الحالية لا تحاول الدفاع عن الرواية التي ورثتها، بل تتعامل معها باعتبارها جزءاً من إرث النظام السابق ينبغي كشفه وإغلاقه.

الأكثر حساسية أن القضية تتجه من تفكيك السلاح إلى ملف جنائي. فبحسب رويترز، تستعد السلطات السورية لمحاكمة 18 شخصاً يشتبه بارتباطهم بالبرنامج الكيميائي، وهو تطور يمكن أن يفتح الباب أمام معلومات تتعلق بمنظومة القيادة والإنتاج والتخزين والأوامر التي أحاطت بالبرنامج في عهد الأسد.

إذا وصلت هذه المحاكمات إلى مستويات أبعد من الموظفين والفنيين المنفذين، فإن سوريا ستكون أمام واحد من أهم اختبارات العدالة في المرحلة الجديدة: هل يجري تفكيك البرنامج المادي فقط، أم تفكيك الشبكة البشرية التي أدارته أيضاً؟

النووي يتحرك بالتوازي

في الوقت نفسه، يتحرك ملف آخر ظل عالقاً منذ سنوات طويلة. فقد أبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن تقدم في تحقيقاتها داخل سوريا بعد تعاون السلطات الجديدة، وقالت إن هذا التعاون أتاح للمفتشين الوصول إلى مواقع ومعلومات تساعد في توضيح أنشطة نووية غير معلنة تعود إلى عهد النظام السابق.

وبحسب رويترز، أصبحت كميات كبيرة من اليورانيوم الطبيعي المكتشف في سوريا تحت رقابة الوكالة الدولية، فيما تسعى دمشق إلى إنهاء ملف «عدم الامتثال» المرتبط بأنشطة سابقة لم تعلن عنها بصورة صحيحة.

القضية النووية السورية تعود أساساً إلى منشأة دير الزور التي دمرتها إسرائيل عام 2007، والتي اعتبرت الوكالة الدولية لاحقاً أنها كانت على الأرجح مفاعلاً نووياً غير معلن. وبقي الملف منذ ذلك الوقت واحداً من القضايا المفتوحة بين دمشق والوكالة.

الاختلاف اليوم أن السلطة الموجودة في دمشق لم تعد مضطرة سياسياً إلى حماية القرارات التي اتخذتها السلطة السابقة. وبذلك تتحول الأسرار التي كانت عبئاً على النظام القديم إلى معلومات تستطيع الحكومة الجديدة تقديمها للمؤسسات الدولية لإثبات اختلاف سلوك الدولة.

ماذا تحصل دمشق مقابل أسرار الكيماوي والنووي؟

لا توجد صفقة معلنة تقول إن سوريا ستحصل على مكاسب سياسية أو مالية محددة مقابل الكشف عن هذه الملفات، وأي حديث عن اتفاق سري بهذا المعنى يحتاج إلى دليل غير متوافر حتى الآن. لكن السياسة الدولية لا تعمل فقط عبر الصفقات المكتوبة؛ فمستوى التعاون مع المؤسسات الدولية يؤثر مباشرة في صورة الدولة ومدى الثقة بها.

دمشق تريد اليوم استثمارات أجنبية، وإعادة إعمار، وعلاقات طبيعية مع أوروبا والولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية. وفي هذا السياق، يصبح إغلاق ملفات الأسلحة المحظورة والأنشطة النووية غير المعلنة جزءاً من عملية أوسع لإعادة تقديم سوريا باعتبارها دولة يمكن التعامل معها، لا دولة تخفي برامج سرية وتصطدم بصورة مستمرة مع أجهزة الرقابة الدولية.

وهذا يتزامن مع خطاب اقتصادي واضح. ففي الرابع من أيلول/سبتمبر، قال الرئيس أحمد الشرع خلال لقائه وفداً اقتصادياً ألمانياً إن سوريا تجاوزت مرحلة «التعارف وتبادل الثقة»، وإن الوقت أصبح مناسباً لدخول الشركات الكبرى والعمل والاستثمار. اللقاء بحد ذاته لا يعني وصول استثمارات ألمانية، لكنه يكشف اتجاه السياسة السورية الجديدة: الانتقال من الحصول على الاعتراف السياسي إلى محاولة تحويله إلى علاقات اقتصادية فعلية.

من هذه الزاوية، يصبح التعاون في الكيميائي والنووي جزءاً من البيئة التي تحاول دمشق بناءها لجذب رأس المال الخارجي. فالمستثمر الأوروبي لا ينظر فقط إلى تكلفة المشروع والعائد المتوقع، بل إلى العقوبات والاستقرار القانوني والعلاقة بين الدولة والمؤسسات الدولية ومستوى المخاطر السياسية.

أوراق ضد النظام السابق

هناك مكسب آخر لا يقل أهمية. كل معلومة جديدة تثبت أن نظام الأسد أخفى منشأة أو ذخيرة أو مادة عن المفتشين تمنح السلطة الجديدة فرصة لتثبيت سرديتها السياسية: المشكلة لم تكن في الدولة السورية نفسها، بل في النظام الذي كان يديرها.

هذا الفصل مهم بالنسبة إلى دمشق، لأنها تحتاج في علاقاتها الخارجية إلى إقناع العالم بأنها ليست امتداداً للسلطة التي سبقتها، وأن الالتزامات التي لم تُحترم سابقاً يمكن احترامها الآن.

لكن هذا المسار يحمل مخاطرة أيضاً. فتح الأرشيف يعني أن الأسئلة لن تتوقف عند ما فعله الأسد، بل ستصل إلى أسماء المسؤولين والضباط والعلماء والمؤسسات والشركات التي شاركت في البرامج السابقة، ومن عرف بها، ومن نفذ الأوامر، ومن ساهم في إخفاء المواد والمنشآت.

وعندها يصبح التعاون الدولي اختباراً داخلياً للمحاسبة.

إسرائيل حاضرة في الملفين

يصعب أيضاً فصل الكيميائي والنووي عن إسرائيل. فالمنشأة النووية السورية في دير الزور دمرتها إسرائيل، كما نفذت إسرائيل على مدى سنوات ضربات متعددة داخل سوريا قالت إنها تستهدف قدرات عسكرية وتهديدات استراتيجية.

واليوم يظهر التناقض بوضوح: بينما تحاول دمشق إغلاق ملفات الأسلحة المحظورة تحت إشراف دولي، تستمر الأزمة المتعلقة بالوجود والتحركات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري. وقد ربط مسؤولون سوريون بعض الصعوبات التي تواجه أعمال التفتيش والوصول إلى المواقع بالعمليات الإسرائيلية.

لذلك قد تستخدم دمشق تعاونها مع المنظمات الدولية أيضاً لبناء حجة سياسية مختلفة: إذا كانت الدولة السورية الجديدة تسمح للمفتشين بالدخول وتفكك البرامج السابقة، فما المبرر لاستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية؟

إنها ورقة سياسية محتملة، لكنها لا تعني تلقائياً أن إسرائيل ستغير حساباتها الأمنية.

من إرث الأسد إلى رأس مال سياسي

المفارقة أن أحد أخطر الملفات التي ورثتها السلطة الجديدة قد يتحول إلى أحد أكثر الملفات فائدة لها خارجياً. فالوثائق والمواقع والمعلومات التي كان النظام السابق يخشى كشفها تستطيع دمشق اليوم استخدامها لإثبات تعاونها مع المؤسسات الدولية، وملاحقة مسؤولين من العهد السابق، وتحسين صورتها أمام الدول التي تريد منها الاستثمار والدعم وإعادة العلاقات.

لكن القيمة الحقيقية لهذا المسار لن تقاس بعدد القنابل التي جرى تدميرها، ولا بعدد الزيارات التي قام بها المفتشون. الاختبار سيكون في مقدار ما تكشفه دمشق من الحقيقة، وفي مستوى المسؤولين الذين تصل إليهم المحاسبة، وفي ما إذا كانت المعلومات المقدمة ستغلق بالفعل الملفات القديمة أم ستفتح أبواباً أكثر تعقيداً.

فدمشق لا تفتح اليوم خزائن الأسد مجاناً بالمعنى السياسي، حتى من دون وجود صفقة معلنة. إنها تحاول تحويل إرث كان سبباً في عزل سوريا إلى دليل على أن الدولة الجديدة تستحق العودة إلى النظام الدولي.

ويبقى السؤال الأهم: هل سيكافئ العالم دمشق على فتح الملفات، أم سيطلب منها فتح المزيد؟