Press 365 | ما وراء الخبر — 16 تشرين الأول 2026
بعد نحو 22 شهراً على سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، تواجه عودة اللاجئين السوريين مفارقة لافتة: تزايد أعداد العائدين يقابله تراجع في نسبة اللاجئين الذين يعتزمون العودة خلال عام. وكشف تقرير أصدرته منظمة «اللاجئون الدولية» (Refugees International) في 15 تشرين الأول 2026 عن عشر عقبات معيشية وأمنية وقانونية تحول دون عودة آمنة وطوعية ومستدامة.
الأرقام تكشف حجم الأزمة
وفق التقرير الذي أعدّته الباحثتان كندة حواصلي وناتاشا هول، عاد نحو 1.68 مليون لاجئ و2.19 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم منذ سقوط النظام، وفق البيانات التي اعتمدها التقرير حتى حزيران 2026. في المقابل، لا يزال نحو 4.7 ملايين لاجئ خارج سوريا و5.7 ملايين نازح داخلها. وتراجعت نسبة اللاجئين الذين يخططون للعودة خلال الاثني عشر شهراً التالية من 27% في كانون الثاني 2025 إلى 14% في نيسان 2026. وهذه النسبة تقيس نوايا العودة، لا عدد العائدين فعلياً.
كيف أُعدّ التقرير؟
اعتمدت المنظمة على ورش تشاورية مع لاجئين في تركيا بين تشرين الثاني 2025 ونيسان 2026، وخمس زيارات ميدانية إلى سوريا، ومقابلات مع لاجئين وعائدين ونازحين وجهات إنسانية، فضلاً عن بيانات الأمم المتحدة. وتمثل النتائج تحليلاً نوعياً للتحديات المتكررة في هذه المقابلات، وليس إحصاءً شاملاً لكل اللاجئين.
1. السكن والملكية
يتجاوز عدد الوحدات السكنية المتضررة أو المدمرة 1.3 مليون وحدة، فيما يزيد العجز السكني على 1.9 مليون وحدة، وفق التقرير. وإلى جانب كلفة الإيجار والترميم، يواجه بعض العائدين نزاعات ملكية وفقداناً لوثائق عقارية، ما يجعل العودة إلى المنطقة الأصلية مختلفة عن القدرة على استعادة المنزل والاستقرار فيه.
2. الاقتصاد وفرص العمل
أفاد التقرير بأن نحو 18% فقط من السوريين يتمتعون بالأمن الغذائي، وأن الدخل لدى أسر كثيرة لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية. وتواجه الأسر العائدة صعوبة في إيجاد وظائف واستعادة تراخيص العمل والاعتراف بالخبرات والشهادات المكتسبة خارج البلاد. وقد يؤدي فقدان دخل العمل في بلد اللجوء إلى تقليص الموارد التي تعيل بها الأسر أقاربها داخل سوريا.
3. الألغام ومخلفات الحرب
تشكل الذخائر غير المنفجرة والألغام خطراً مستمراً على المدنيين، ولا سيما في الأراضي الزراعية والأحياء المتضررة. ويربط التقرير بين إزالة مخلفات الحرب وبين إمكان إصلاح المنازل واستئناف الزراعة والتنقل الآمن، محذراً من أن العودة إلى مناطق ملوثة بالمتفجرات قد تعرّض الأسر لإصابات أو نزوح جديد.
4. الخدمات الصحية
بحسب البيانات التي استشهدت بها المنظمة، يعمل 57% من المستشفيات السورية بكامل طاقتها، مقابل نحو 30% من مراكز الرعاية الصحية الأولية. ويؤثر ضعف الخدمات خصوصاً في أصحاب الأمراض المزمنة وذوي الإعاقة والأطفال، في حين فاقمت تخفيضات المساعدات الإنسانية الضغوط على المرافق الصحية.
5. الخدمات الأساسية
لا تزال الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات وجمع النفايات خدمات غير منتظمة في مناطق عديدة، مع تفاوت بين المدن والمناطق الريفية. ويؤكد التقرير أن إعادة فتح الطريق إلى البلدة أو إغلاق مخيم النزوح لا يكفيان إذا كانت العائلات ستعود إلى مساكن بلا مياه أو كهرباء أو وسائل عيش.
6. التعليم
يشير التقرير إلى وجود أكثر من ثمانية آلاف مدرسة متوقفة عن العمل أو مكتظة، وإلى نحو 2.45 مليون طفل خارج المدرسة في منتصف 2026، مع قرابة مليون آخر معرضين للتسرب. وتواجه الأسر العائدة من تركيا وأوروبا تحديات مرتبطة باختلاف لغة التدريس والمناهج ومعادلة الشهادات، ما يدفع بعضها إلى تأجيل العودة.
7. الأمن والعدالة
رغم تحسن الظروف في بعض المناطق، تواصل التوترات المحلية والخطف والابتزاز وضعف إنفاذ القانون التأثير في قرارات اللاجئين. وينقل التقرير مخاوف مرتبطة بالإفلات من المحاسبة عن انتهاكات سابقة، إلى جانب أثر أعمال العنف في الساحل والسويداء والتوغلات الإسرائيلية في الجنوب. وتبقى هذه المخاوف، وفق المنظمة، عاملاً في تقييم الأمان عند العودة.
8. الوضع القانوني في دول اللجوء
تؤثر الإقامات المؤقتة وإجراءات الحماية في قدرة اللاجئين على التخطيط للمستقبل. ويخشى بعض السوريين فقدان وضعهم القانوني إذا زاروا سوريا لتفقد منازلهم أو تقييم فرص العودة، بينما قد تدفع صعوبات تجديد الإقامة آخرين إلى اتخاذ قرار سريع قبل التأكد من ظروف الاستقرار.
9. الترحيل والضغوط
يرصد التقرير حالات وضغوطاً متفاوتة في دول الاستضافة، بينها مخاطر الترحيل وفقدان المساعدات أو الخدمات. وتفرّق المنظمة بين الترحيل المباشر وبين العودة التي تبدو طوعية إدارياً لكنها تتم في ظل تضاؤل البدائل المتاحة. ولا يعني ذلك أن غالبية العائدين تعرضوا للإكراه عند مغادرتهم، بل إن الضغوط قد تبدأ قبل اتخاذ القرار بفترة طويلة.
10. الاستقرار الاجتماعي في الخارج
أقام ملايين السوريين خلال سنوات اللجوء علاقات عمل وتعليم وحياة أسرية في البلدان المضيفة. وقد تتباين رغبة الآباء والأبناء في العودة بسبب الدراسة واللغة والوظائف والشبكات الاجتماعية، ما يجعل القرار عائلياً طويل الأمد يتجاوز مجرد عبور الحدود.
المخيمات وامتحان الاستدامة
تطرق التقرير إلى مبادرة «سوريا بلا مخيمات»، مشيراً إلى إعلان إغلاق أكثر من 200 مخيم حتى أيلول 2026، مع بقاء نحو 141 ألف أسرة في المخيمات. وتحذر المنظمة من مساواة إغلاق المخيم بحل أزمة النزوح؛ إذ يمكن أن تنتقل الاحتياجات الإنسانية إلى مناطق العودة إذا افتقرت إلى السكن والخدمات.
ماذا توصي المنظمة؟
دعت المنظمة الحكومة السورية إلى خطة واضحة بالتشاور مع النازحين والمجتمع المدني، ومعالجة نزاعات الملكية وتسهيل الاعتراف بالمؤهلات وتوسيع فرص العمل والتعليم وإزالة الألغام. كما طالبت الدول المضيفة بوقف الضغوط التي تدفع إلى العودة المتعجلة، وإتاحة مسارات إقامة وزيارات استطلاعية لا تفقد اللاجئين حقوق الحماية. وتخلص الدراسة إلى أن معيار النجاح هو قدرة العائدين على البقاء والاستقرار بأمان، لا سرعة انخفاض أعداد اللاجئين.
للمزيد من سياق عودة السوريين: عادوا من أوروبا إلى سوريا.. تحديات العمل والاستقرار، ونصف مليون طفل عادوا إلى سوريا.