بعد نحو عقدين من الغموض الذي أحاط بالمنشأة التي دمرتها إسرائيل في دير الزور عام 2007، حسمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية واحداً من أكثر الملفات سرية في عهد النظام السوري السابق، مؤكدة أن الموقع كان مفاعلاً نووياً قيد الإنشاء، وأن أنشطة أخرى مرتبطة بتصنيع الوقود النووي وتخزينه جرت داخل سوريا من دون الإعلان عنها للوكالة الدولية.
تحقيق – Press 365
بحسب تقرير سري للوكالة اطلعت عليه وكالتا رويترز وأسوشيتد برس، تمكن المفتشون، بعد حصولهم على معلومات وإمكانية وصول من السلطات السورية الجديدة، من حسم الأسئلة العالقة بشأن أنشطة نووية لم تعلن عنها السلطات السابقة وفق الالتزامات المنصوص عليها في اتفاق الضمانات المرتبط بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
المفاعل الذي بقي موضع جدل منذ 2007
في أيلول/سبتمبر 2007، قصفت إسرائيل منشأة في محافظة دير الزور، وسط اتهامات بأنها كانت جزءاً من برنامج نووي سوري سري.
وعلى مدى السنوات التالية، بقيت أسئلة الوكالة الدولية بشأن طبيعة الموقع وأنشطته من دون إجابات كاملة.
لكن عمليات التحقق الأخيرة غيرت الصورة.
فبحسب تقرير الوكالة، أكدت أعمال التفتيش أن البنية التحتية الخاصة بالتبريد التي ظهرت في الموقع تتوافق مع بنية مفاعل نووي، ما سمح للوكالة بإثبات أن السلطات السورية السابقة كانت تبني مفاعلاً لم تعلن عنه.
التحقيق الدولي أثبت أيضاً وجود منشأة مرتبطة بتحويل اليورانيوم أو تصنيع الوقود، إضافة إلى موقع استُخدم لتخزين الوقود ومواد مرتبطة بالمشروع.
73 طناً من اليورانيوم الطبيعي
أحد أبرز ما كشفه التقرير يتعلق بالمواد النووية التي بقيت داخل سوريا.
وتحققت الوكالة من وجود نحو 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي المعدني في موقع مرتبط بالبرنامج السابق، بينها نحو 55 طناً على شكل قضبان وقود.
وأكدت الوكالة أن المواد النووية أصبحت خاضعة حالياً لإجراءات الاحتواء والمراقبة التابعة لها.
ولا يعني الحديث عن اليورانيوم الطبيعي بحد ذاته امتلاك سلاح نووي أو مواد جاهزة لصنع قنبلة، لكنه يشكل عنصراً أساسياً في دورة الوقود النووي، ولذلك يخضع للإبلاغ والرقابة الدولية.
ماذا أخفى النظام السابق؟
النتيجة الأكثر أهمية في التقرير ليست كمية اليورانيوم وحدها.
فالوكالة تقول إنها أصبحت قادرة على إثبات أن السلطات السورية السابقة لم تبلغ عن مواد ومنشآت وأنشطة نووية كان يتوجب عليها الإعلان عنها بموجب اتفاق الضمانات.
وتشمل هذه المنشآت المفاعل الذي كان قيد الإنشاء، ومنشأة تصنيع الوقود، وموقعاً لتخزينه.
وهذا يحول القضية من شكوك استمرت سنوات إلى استنتاج فني موثق لدى الجهة الدولية المسؤولة عن الرقابة النووية.
ما الذي تغير بعد سقوط النظام؟
بعد سقوط نظام بشار الأسد، وافقت السلطات السورية الجديدة على التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفتح المواقع أمام المفتشين.
وخلال الأشهر الماضية، حصلت فرق الوكالة على إمكانية الوصول إلى مواقع ومعلومات لم تكن متاحة لها سابقاً، كما قدمت دمشق بيانات ووثائق مرتبطة بالمواد والمنشآت.
وأشادت الوكالة في تقريرها بما وصفته بالشفافية والتعاون من جانب السلطات الجديدة، وقالت إن المعلومات وإمكانية الوصول اللتين حصلت عليهما سمحتا لها بحسم الأسئلة التي ظلت عالقة لسنوات.
كما قدمت سوريا بيانات تتعلق بحصر المواد النووية ومعلومات تصميمية عن المنشآت، في إطار معالجة المخالفات السابقة.
هل انتهى الملف؟
إغلاق الأسئلة المتعلقة بالمخالفات السابقة لا يعني اختفاء الملف النووي السوري بالكامل.
فالمواد الموجودة داخل البلاد ستظل خاضعة لرقابة الوكالة، فيما تبقى مسؤولية تأمينها ومراقبتها جزءاً أساسياً من المرحلة المقبلة.
وفي الوقت نفسه، أبدت السلطات السورية الجديدة اهتماماً بإمكانية تطوير برنامج نووي مدني مستقبلاً ضمن الرقابة الدولية.
وبذلك ينتهي فصل ظل غامضاً منذ قصف منشأة دير الزور قبل نحو عقدين، لكن التقرير يفتح في المقابل أسئلة تاريخية وسياسية جديدة حول حجم المشروع السابق، والشبكة التي ساهمت في بنائه، والمرحلة التي وصل إليها قبل تدمير المفاعل.
ما كان طوال سنوات موضع اتهامات وتقديرات استخباراتية، أصبح اليوم جزءاً من سجل موثق لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.