أطفال أمضوا سنوات دراستهم في تركيا ولبنان وأوروبا يعودون إلى مدارس سورية بلغة تعليم ومناهج مختلفة، فيما تواجه الأسر والمدارس تحدي ربط ما تعلموه في الخارج بمسارهم الدراسي الجديد
كان طفلا فادي من المتفوقين في مدرستهما في تركيا. الأكبر وصل إلى الصف الثامن والأصغر إلى الخامس، وخلال أحد عشر عاماً قضتها الأسرة هناك حرص الأب والأم على تعليم طفليهما القراءة والكتابة بالعربية في المنزل، بالتوازي مع دراستهما النظامية باللغة التركية.
ومع اقتراب العودة إلى سوريا، بدأت الأسرة تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة. فالطفلان سيواصلان تعليمهما في صفوف تعتمد العربية في شرح الدروس والامتحانات، وتستخدم كتباً ومصطلحات وقواعد لغوية لم يعتادا عليها خلال سنوات الدراسة في تركيا. عندها بدأ فادي وزوجته بتدريس طفليهما أجزاء من المنهاج السوري بصورة مكثفة خلال العطلة، سعياً إلى الحفاظ على المستوى الدراسي الذي حققاه وتسهيل انتقالهما إلى المدرسة السورية.
تجربة فادي تختصر جانباً من قصة أوسع. فبحسب وزارة التربية والتعليم، تجاوز عدد الأطفال السوريين العائدين من الخارج 500 ألف طفل، يحملون معهم تجارب تعليمية تشكلت في بلدان ولغات ومناهج مختلفة، ويعودون اليوم إلى نظام تعليمي يحاول بدوره استيعاب واحدة من أكبر موجات العودة الطلابية خلال السنوات الأخيرة.
المفارقة أن الطفل لم يعد إلى سوريا متأخراً دراسياً؛ عاد متفوقاً في نظام تعليمي، لكنه مطالب بإثبات نفسه من جديد في نظام آخر.
فادي من مدينة حماة
نصف مليون طفل وتجارب تعليمية متعددة
وراء الرقم الكبير مسارات شديدة التنوع. فبين العائدين أطفال درسوا سنوات باللغة التركية، وآخرون تلقوا جزءاً من تعليمهم بالفرنسية أو الإنكليزية في لبنان، وأطفال نشأوا داخل أنظمة تعليمية أوروبية، إلى جانب طلاب تنقلوا بين أكثر من بلد ومدرسة أو شهد مسارهم الدراسي فترات من الانقطاع.
وتظهر الفوارق منذ لحظة التسجيل، إذ يحمل كل طالب عمراً دراسياً وسجلاً تعليمياً ومستوى لغوياً خاصاً به. ولهذا اعتمدت وزارة التربية إجراءات تتعلق بمعادلة الوثائق والتسجيل الشرطي لمن لم تكتمل أوراقهم، إلى جانب اختبارات تحديد المستوى في بعض الحالات.
كما صدرت ترتيبات خاصة ببعض الطلاب القادمين من تركيا لتنظيم انتقالهم إلى المراحل التالية وفق الشهادات التي حصلوا عليها هناك. وتساعد هذه الإجراءات في تحديد الصف والمسار الدراسي، فيما يبدأ التحدي اليومي داخل الصف، حيث يتعامل الطفل مع لغة المنهاج وطريقة الشرح والامتحانات والمصطلحات الجديدة.
من سويسرا إلى داريا.. أربعة أطفال أمام حاجز اللغة
تكشف تجربة عفراء جانباً آخر من المسألة. فقد عادت إلى سوريا ومعها خمسة أطفال، أربعة منهم في سن الدراسة وتلقوا تعليمهم في سويسرا. يحمل الأطفال مستوى جيداً في الألمانية ومعرفة بالإنكليزية، فيما كانت معرفتهم بالعربية محدودة قياساً بالمستوى المطلوب لمتابعة المناهج المدرسية.
بدأت الأسرة بعد وصولها إلى داريا رحلة البحث عن مكان يستطيع الأطفال فيه متابعة تعليمهم. وتقول عفراء إن مستوى أبنائها في العربية جعل استقرارهم الدراسي أكثر تعقيداً، فيما احتاجوا إلى تأسيس لغوي ودروس إضافية، ووضعت تكاليف التعليم الخاص والمدرسين الخصوصيين عبئاً مالياً كبيراً على الأسرة.
كان أحد أبنائها في عمر يؤهله للصف السابع. دخل المدرسة وواجه صعوبة في فهم الدروس والمشاركة داخل الصف، واستمرت تجربته الأولى قرابة شهرين. ثم حاولت الأسرة نقله إلى مدرسة أخرى، قبل أن يتجه في تلك المرحلة إلى تعلم مهنة. كما واجهت ابنتها الأصغر صعوبة لغوية عند دخول الصف الأول.
وتوضح تجربة الأسرة طبيعة الفجوة التي يواجهها قسم من الأطفال القادمين من أوروبا: معرفة ومهارات تراكمت خلال سنوات الدراسة، تحتاج بعد العودة إلى جسر لغوي يسمح باستخدامها داخل المدرسة السورية.
من لبنان.. عندما تختلف لغة الرياضيات والعلوم
تأخذ المسألة شكلاً مختلفاً لدى بعض الأطفال القادمين من لبنان، حيث تستخدم مدارس كثيرة الفرنسية أو الإنكليزية في تدريس مواد مثل الرياضيات والعلوم. وعند الانتقال إلى سوريا، يجد الطالب المفاهيم التي سبق أن درسها ضمن لغة ومصطلحات مختلفة.
عادت شام، وهي تلميذة في الصف الرابع، إلى بلدتها زردنا في ريف إدلب بعد ثماني سنوات قضتها أسرتها في لبنان. ومع دخولها المدرسة ظهرت الفوارق في الكتب واللهجة والبيئة الصفية وطريقة تقديم بعض المواد.
ويصف جمعة أخرس، وهو أب لثلاثة طلاب عادوا من لبنان، تجربة مشابهة مع أبنائه الذين اعتادوا خلال دراستهم هناك على مصطلحات وطريقة عرض مختلفة في عدد من المواد، ثم احتاجوا بعد العودة إلى التعرف إلى المصطلحات العربية المستخدمة في المناهج السورية.
وتضيف راميا السعيد بعداً اجتماعياً إلى التجربة. فقد أمضت ابنتها نحو أربع سنوات في مدرسة لبنانية قبل أن تلتحق بالصف السادس في مدرسة حكومية بريف دمشق، واحتاجت بعد العودة إلى التأقلم مع المنهاج واللغة والبيئة المدرسية الجديدة وتكوين علاقات مع زملائها.
وهكذا تجمع العودة المدرسية عدة انتقالات في وقت واحد: من بلد إلى آخر، ومن منهاج إلى آخر، ومن مصطلحات دراسية مألوفة إلى أخرى جديدة، ومن بيئة اجتماعية اعتادها الطفل إلى صف جديد عليه.
83 ألف طالب ودروس خاصة بالعربية
حجم الفجوة اللغوية يظهر أيضاً في الأرقام الرسمية. فقد تحدثت وزارة التربية عن استفادة نحو 83 ألف طالب من دورات وامتحانات مرتبطة باللغة العربية ضمن الإجراءات المخصصة للطلاب العائدين، بالتوازي مع إطلاق برامج تستهدف الذين تلقوا تعليمهم خارج البلاد.
ومن أبرز هذه البرامج سلسلة «العربية حياة»، الموجهة إلى الطلاب الذين درسوا بلغة أخرى ويحتاجون إلى تطوير قدرتهم على استخدام العربية في التعليم. وتتكون السلسلة من ثلاثة مستويات، مدة كل منها 60 ساعة، ليصل البرنامج الكامل إلى 180 ساعة تشمل الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة، مع تحديد المستوى المناسب للطالب عبر تقييم تشخيصي.
وتكشف هذه البرامج جانباً مهماً من المشكلة يتعلق بالفارق بين العربية المستخدمة في الحياة اليومية والعربية الأكاديمية. فقد يتحدث الطفل مع أسرته بالعربية بصورة طبيعية، ثم يحتاج إلى مستوى مختلف لكتابة موضوع تعبير أو قراءة نص طويل أو فهم سؤال في العلوم واستخدام المصطلحات المطلوبة في الامتحان.
وتظهر تجربة فادي هذا الفارق بوضوح. فقد حافظت الأسرة على تعليم طفليها القراءة والكتابة بالعربية أثناء إقامتها في تركيا، ثم احتاج الطفلان عند الاستعداد للعودة إلى مستوى أوسع يرتبط مباشرة بالكتب والمناهج والمواد الدراسية.
المدرسة السورية تستقبل العائدين تحت ضغط متزايد
تأتي عودة هذه الأعداد في وقت تشهد فيه المدارس السورية ارتفاعاً كبيراً في أعداد الطلاب. وتشير بيانات وزارة التربية إلى زيادة تجاوزت مليون طالب خلال عام واحد، ارتبط جزء منها بعودة اللاجئين والنازحين وأطفال سبق أن انقطعوا عن التعليم.
ويتزامن ذلك مع استمرار أعمال إعادة تأهيل المدارس وتوسيع قدرتها الاستيعابية بعد سنوات من الأضرار التي أصابت قطاع التعليم. وتشير تقديرات اليونيسف إلى تعرض آلاف المدارس السورية للضرر أو الدمار، إلى جانب استمرار وجود أعداد كبيرة من الأطفال خارج التعليم.
وتضع هذه الظروف المدارس أمام مهمتين متوازيتين: استيعاب الزيادة العددية وإعادة بناء البنية التعليمية، وتقديم الدعم للأطفال الذين يصلون بخلفيات لغوية وتعليمية متنوعة.
وتظهر تجارب بعض العائدين أن التأقلم يتحسن تدريجياً مع المتابعة. فقد احتاج أطفال عادوا من تركيا ودول أخرى في الأشهر الأولى إلى مساعدة إضافية في اللغة والدراسة وبناء العلاقات داخل المدرسة، ثم بدأ مستوى اندماج بعضهم يتحسن مع مرور الوقت.
جيل تشكل بين أكثر من بلد
تقدم قصص فادي وعفراء وجمعة وراميا نماذج مختلفة لجيل سوري تشكلت أجزاء من تجربته التعليمية خارج البلاد. طفلا فادي يحملان سنوات من الدراسة والتفوق باللغة التركية، وأطفال عفراء عادوا من سويسرا ومعهم الألمانية ومعرفة بالإنكليزية، وأبناء جمعة يحملون تجربة تعليمية تشكل جزء منها داخل النظام اللبناني.
ويحمل هؤلاء الأطفال معهم مهارات يمكن أن تشكل قيمة إضافية لمسارهم التعليمي، من اللغات الأجنبية إلى تجربة الدراسة ضمن مناهج وأساليب تعليم متعددة. وتصبح المهمة الأساسية ربط هذه الخبرات بالمناهج السورية وتطوير العربية الأكاديمية التي يحتاجها الطفل لمواصلة تعليمه.
بعد سنوات كان فيها التحدي هو اندماج الطفل السوري في مدارس بلدان اللجوء، تطرح العودة اليوم تحدياً جديداً داخل سوريا: استيعاب جيل تشكل جزء كبير من تجربته التعليمية خارج البلاد.
أكثر من نصف مليون طفل يحملون معهم مسارات مختلفة ولغات ومناهج وتجارب مدرسية متعددة. ونجاح عودتهم سيظهر داخل الصفوف، في قدرة المدرسة على ربط ما تعلموه في الخارج بما يحتاجونه في الداخل، وتحويل العودة من تسجيل جديد في السجلات إلى استمرار حقيقي في التعليم.