بعد نحو عشرين عاماً على جرائم التعذيب التي ارتُكبت داخل سجن عدرا المركزي قرب دمشق، أصدر القضاء الأميركي حكماً بالسجن 60 عاماً على مديره السابق، العميد سمير عثمان الشيخ، بعد إدانته بالتآمر لارتكاب التعذيب وثلاث تهم تتعلق بتعذيب معتقلين، إضافة إلى جرائم مرتبطة بالاحتيال على سلطات الهجرة الأميركية.
القضية تحمل ثقلاً يتجاوز الحكم على مسؤول سابق في نظام الأسد، فوزارة العدل الأميركية تصف الشيخ بأنه أرفع مسؤول سابق في النظام تجري محاكمته وإدانته حضورياً خارج سوريا حتى الآن، فيما تكشف تفاصيل الملف كيف تحولت شهادات ناجين عن جرائم ارتُكبت بين عامي 2005 و2008 إلى أدلة أمام محكمة فيدرالية في لوس أنجلوس، بعد تحقيق امتد إلى أوروبا وتعاون مع السلطات الألمانية.
تولى الشيخ إدارة سجن دمشق المركزي المعروف بسجن عدرا بين عامي 2005 و2008 برتبة عميد، ثم شغل لاحقاً منصب محافظ دير الزور عام 2011، ووفق وزارة العدل الأميركية، أثبتت الأدلة التي قدمت خلال المحاكمة إصداره أوامر بإلحاق آلام جسدية ونفسية شديدة بالمعتقلين، إلى جانب مشاركته شخصياً في بعض عمليات التعذيب.
الجناح 13.. شهادات وصلت إلى المحكمة
تركز جانب أساسي من القضية على الجناح 13 داخل سجن عدرا، وهو قسم تحت الأرض كان معتقلون يُنقلون إليه ويوضعون في زنازين عزل صغيرة، وقد استمعت المحكمة إلى ثلاثة ناجين تحدثوا عن التعليق من المعصمين لفترات طويلة والضرب أثناء التعليق، وحشر الجسد داخل إطار سيارة ثم ضربه، إضافة إلى استخدام أداة عُرفت في السجون السورية باسم «البساط الطائر»، حيث يُثبت المعتقل على لوحين مفصليين ويُطوى جسده بقوة عند الخصر.
إحدى الشهادات وضعت الشيخ نفسه في مشهد التعذيب، إذ قال أحد الناجين أمام المحكمة إن مدير السجن السابق داس بقدمه على «البساط الطائر» بينما كان المعتقل مثبتاً عليه، فيما تحدث شاهد آخر عن معاقبته بعد كتابة رسالة تأييد لمعتقل سياسي، وعن إجباره على ارتداء زي أحمر قال إنه كان مخصصاً للأشخاص المصنفين للإعدام.
وكشفت شهادات وأدلة قدمتها النيابة أن بعض العقوبات طالت سجناء رفضوا تنفيذ أوامر بإيذاء معتقلين سياسيين، وهي الوقائع التي شكلت جزءاً من ملف الادعاء لإثبات طبيعة الانتهاكات ومسؤولية إدارة السجن عنها.
طلب الجنسية فكشف ماضيه
المسار الذي انتهى بحكم الستين عاماً بدأ من مكان مختلف تماماً: ملف الهجرة الأميركي.
تقدم الشيخ عام 2018 للحصول على تأشيرة أميركية، ثم دخل الولايات المتحدة عام 2020 وحصل على الإقامة الدائمة، وفي 2023 تقدم بطلب للحصول على الجنسية، وخلال هذه الإجراءات أخفى، وفق ما أثبتته المحكمة، معلومات عن ماضيه والأفعال التي ارتكبها خلال إدارته سجن عدرا.
اعتقلته السلطات الأميركية في تموز 2024، وبدأ الملف باتهامات مرتبطة بالاحتيال في إجراءات الهجرة، ثم توسع التحقيق ليصل إلى ما جرى داخل سجن عدرا قبل نحو عقدين، وفي كانون الأول من العام نفسه أضيفت اتهامات التعذيب إلى القضية.
وبناء ملف جنائي عن جرائم ارتُكبت داخل سوريا احتاج إلى العودة إلى الناجين والشهود بعد سنوات طويلة من خروجهم من السجن وانتشارهم في بلدان مختلفة، وهنا تعاون المحققون الأميركيون مع الشرطة الجنائية الفيدرالية الألمانية للوصول إلى شهود موجودين في ألمانيا، كما شارك مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي الأميركية والجهات المختصة بملاحقة منتهكي حقوق الإنسان ومرتكبي جرائم الحرب في بناء القضية.
وفي آذار 2026، وبعد محاكمة استمرت نحو أسبوعين، أدانت هيئة المحلفين الشيخ بالتآمر لارتكاب التعذيب وثلاث تهم تعذيب، إضافة إلى تهمتين مرتبطتين بالاحتيال في إجراءات الهجرة ومحاولة الحصول على الجنسية بطريقة احتيالية.
60 عاماً خلف القضبان
طلب فريق الدفاع حكماً بالسجن خمس سنوات، بينما كانت العقوبات القصوى الممكنة للتهم التي أدين بها الشيخ تصل مجتمعة إلى 100 عام، وفي 17 أيلول أصدر القاضي الفيدرالي هيرنان فيرا الحكم بسجنه 60 عاماً، على أن تنظر المحكمة بصورة منفصلة في التعويضات المخصصة للضحايا.
ويبلغ الشيخ 74 عاماً، ما يجعل الحكم قادراً عملياً على إبقائه خلف القضبان حتى نهاية حياته، فيما تكتسب القضية أهمية إضافية لأن الجرائم التي أدين بارتكابها تعود إلى الفترة بين 2005 و2008، أي قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011.
وقال خالد عبد الملك، أحد الناجين الذين أدلوا بشهاداتهم في القضية، إن الحكم يمثل خطوة أولى في طريق طويل نحو العدالة، فيما اعتبرت وزارة العدل الأميركية أن القضية توجه رسالة إلى مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان الذين يحاولون استخدام الولايات المتحدة ملاذاً لهم.
وبذلك انتهى مسار بدأ من تدقيق في ملف هجرة إلى حكم بالسجن ستة عقود عن جرائم تعذيب ارتُكبت في سوريا، بعدما التقت شهادات ناجين سوريين مع تحقيقات أميركية وتعاون أمني ألماني، لتفتح القضية في الوقت نفسه ملفاً أوسع حول مسؤولين سابقين يعيشون خارج البلاد، وما يمكن أن تحمله شهادات المعتقلين والوثائق الموجودة اليوم في دول اللجوء من أدلة قابلة للوصول إلى المحاكم.
وبعد حكم سمير عثمان الشيخ، يصبح السؤال أبعد من سجن عدرا: كم ملفاً سورياً آخر ما زال ينتظر طريقه إلى المحكمة؟
من هو سمير عثمان الشيخ؟
سمير عثمان الشيخ عميد سوري سابق تولى إدارة سجن عدرا المركزي بين 2005 و2008، ثم شغل منصب محافظ دير الزور عام 2011. دخل الولايات المتحدة عام 2020 وحصل على الإقامة الدائمة، ثم تقدم بطلب الجنسية عام 2023، قبل اعتقاله في 2024. أدانته هيئة محلفين في آذار 2026 بجرائم التعذيب والاحتيال المرتبط بالهجرة، وصدر بحقه في 17 أيلول 2026 حكم بالسجن 60 عاماً.