عاجل
آخر تحديث 17:50

«ألفا وطن».. سجلات سلامة مقلقة و24 دقيقة غامضة قبل اختفاء عشرة بحارة.

شهادة زوجة أحد البحارة تكشف توقيت آخر اتصال قبل الاستغاثة، وسجلات بحرية توثق احتجاز السفينة سابقاً بسبب مخالفات في تجهيزات […]

«ألفا وطن».. سجلات سلامة مقلقة و24 دقيقة غامضة قبل اختفاء عشرة بحارة.
أدوات القراءة
حجم الخط

شهادة زوجة أحد البحارة تكشف توقيت آخر اتصال قبل الاستغاثة، وسجلات بحرية توثق احتجاز السفينة سابقاً بسبب مخالفات في تجهيزات السلامة، فيما تتواصل التساؤلات حول قرار وقف البحث ومصير الطاقم.

بعد ستة أيام على غرق سفينة الشحن «ألفا وطن» في البحر الأسود، تتسع دائرة الأسئلة المحيطة بالحادث الذي اختفى فيه عشرة بحارة، بينهم تسعة سوريين ومصري واحد، وسط تضارب المعلومات بشأن مصيرهم، وظهور تفاصيل تتعلق بالحالة الفنية للسفينة والتوقيتات الأخيرة التي سبقت غرقها، إضافة إلى الظروف التي رافقت قرار السلطات البلغارية إنهاء عمليات البحث والإنقاذ.

وتكشف مراجعة السجلات البحرية والتقارير الصادرة عن الجهات المختصة أن السفينة خضعت خلال العامين الأخيرين لإجراءات تفتيش شملت احتجازها في ميناء يوناني بسبب مخالفات مرتبطة بأجهزة الاستغاثة وتجهيزات السلامة، قبل أن تسجل سلطات ميناء أوديسا الأوكراني ملاحظات فنية إضافية قبل أشهر من الحادث. وتتزامن هذه المعطيات مع شهادة جديدة لزوجة أحد البحارة بشأن آخر اتصال هاتفي، ما يفتح مساراً للتحقق من جاهزية السفينة وتسلسل الأحداث خلال رحلتها الأخيرة.

غرقت «ألفا وطن»، التي ترفع علم توغو وتحمل الرقم الدولي IMO 7510884، فجر السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2026، إثر تعرضها لهجوم بمسيّرات داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا، أثناء رحلة بحرية انطلقت من مصر باتجاه ميناء سولينا الروماني. وأدى الهجوم إلى أضرار جسيمة أعقبها غرق سريع للسفينة، وفق المعلومات التي نقلتها وسائل الإعلام البلغارية عن المسؤولين عن عمليات الإنقاذ.

الدقائق الأخيرة قبل الغرق

أعادت شهادة زوجة البحار السوري غزوان نبيل أحمد تسليط الضوء على التسلسل الزمني للحادث، بعدما كشفت أن آخر اتصال هاتفي جمعها بزوجها جرى عند الساعة الثانية والنصف فجراً، وأنه كان يعمل ضمن وردية بحرية تمتد من منتصف الليل حتى السادسة صباحاً.

وأوضحت الزوجة، في تصريحات نشرتها صحيفة «تليجراف مصر» في 12 تشرين الأول، أن العمل على متن السفينة كان يجري بنظام المناوبات، معربة عن استغرابها من المعلومات التي رجّحت وجود معظم أفراد الطاقم داخل مقصوراتهم لحظة وقوع الهجوم.

وفي المقابل، نقلت وسائل إعلام بلغارية عن مسؤولين عسكريين وبحريين أن مركز تنسيق الإنقاذ تلقى إشارة استغاثة من السفينة عند الساعة 2:54 فجراً، قبل أن تغرق خلال وقت قصير.

وتضع هذه المعطيات فارقاً زمنياً يبلغ نحو أربع وعشرين دقيقة بين الاتصال الأخير الذي تحدثت عنه الزوجة وإشارة الاستغاثة، بافتراض تطابق المنطقة الزمنية المستخدمة في الروايتين. ويكتسب هذا الفارق أهمية في إعادة بناء التسلسل الزمني للحادث، خصوصاً عند مقارنته بسجلات الاتصالات اللاسلكية وبيانات الملاحة وتوقيت تلقي نداء الاستغاثة.

كما تبرز أهمية تحديد مواقع أفراد الطاقم خلال المناوبات الليلية، وطبيعة الإجراءات التي اتخذت على متن السفينة فور تعرضها للهجوم، والمدة التي فصلت بين الإصابة الأولى وغرقها.

احتجاز سابق بسبب مخالفات السلامة

تكشف السجلات المنشورة في قاعدة البيانات البحرية VesselTracker أن «ألفا وطن» احتُجزت في ميناء ميتيليني اليوناني يوم التاسع من أيار/مايو 2025، عقب تفتيش أسفر عن تسجيل سبع مخالفات تتعلق بمتطلبات السلامة البحرية.

وشملت الملاحظات جهاز تحديد موقع الاستغاثة عبر الأقمار الصناعية EPIRB، وجهاز البحث والإنقاذ SART، ونظام كشف الحرائق والإنذار، وتجهيزات استعادة معدات النجاة، وتدريب الطاقم، إضافة إلى وثائق الملاحة ومتطلبات إدارة السلامة.

واستمر احتجاز السفينة حتى الثالث والعشرين من أيار، عندما سُمح لها باستئناف الإبحار، بعد استكمال الإجراءات المطلوبة للإفراج عنها.

وفي حزيران/يونيو 2026، خضعت السفينة لتفتيش آخر في ميناء أوديسا الأوكراني، حيث سُجلت ثلاث عشرة ملاحظة فنية، بحسب ما أورده موقع Maritime.bg البلغاري، واستمرت السفينة في نشاطها البحري عقب التفتيش.

وتبرز أهمية هذا السجل في طبيعة التجهيزات التي شملتها الملاحظات، ولا سيما أجهزة الاستغاثة وتحديد المواقع ومعدات النجاة، التي تؤدي دوراً أساسياً في حالات الطوارئ البحرية. كما يتيح تتبع إجراءات الصيانة والفحوص اللاحقة تحديد الحالة الفنية لهذه الأنظمة قبل الرحلة الأخيرة، ومدى استيفائها متطلبات السلامة المعتمدة.

وتعود السفينة إلى عام 1976، ما يجعل تاريخ صيانتها وتجديد تجهيزاتها الفنية جزءاً مهماً من مراجعة ظروف تشغيلها، ولا سيما في ظل استمرارها في الخدمة لنحو خمسة عقود.

قرار وقف البحث يثير تساؤلات

بدأت السلطات البلغارية عمليات البحث والإنقاذ عقب تلقي إشارة الاستغاثة، بمشاركة وحدات بحرية وجوية عملت في المنطقة التي غرقت فيها السفينة، على مسافة بعيدة من الساحل البلغاري.

وأسفرت العمليات عن العثور على قارب نجاة مقلوب وثلاثة أطواف نجاة وأجزاء من معدات السفينة، قبل إعلان إنهاء البحث عند الساعة الخامسة مساء السادس من تشرين الأول، دون العثور على أي من أفراد الطاقم.

وقال المسؤول عن تنسيق الإنقاذ البحري رومين نيكولوف إن السفينة غرقت بسرعة كبيرة، مشيراً إلى أن طبيعة الأضرار التي تعرضت لها قلصت الوقت المتاح أمام البحارة للتصرف.

وفي العاشر من تشرين الأول، نقلت وسائل إعلام بلغارية توضيحاً من وزارة النقل بشأن قرار إنهاء عمليات البحث، أفاد بأن التقييم استند إلى المسافة عن الساحل، والأحوال الجوية والبحرية، واتجاه التيارات، وحسابات الانجراف، إلى جانب النتائج التي توصلت إليها فرق الإنقاذ خلال عمليات المسح.

وتضع هذه التوضيحات التقرير الفني لعمليات البحث في صلب القضية، بما يتضمنه من خرائط للمناطق التي شملها المسح، وساعات مشاركة الوحدات البحرية والجوية، والمعايير المستخدمة لتقدير فرص العثور على ناجين.

كما يكتسب تحديد موقع الحطام وفحصه أهمية في استكمال التحقيق، خصوصاً مع تداول معلومات عن استقراره على عمق كبير يتطلب استخدام تجهيزات بحرية متخصصة.

الشركة المشغلة ومسؤولية إدارة السفينة

تشير قواعد البيانات البحرية إلى أن شركة BARAKA SHIPPING CO LTD، المرتبطة بمدينة مرسين التركية، كانت مسجلة بوصفها مالك السفينة ومديرها التجاري والجهة المسؤولة عن إدارة السلامة.

وذكرت تقارير صحفية تركية أن السفينة انتقلت إلى الشركة عام 2023، وكانت الوحيدة المسجلة ضمن أسطولها، فيما أشار التلفزيون البلغاري الرسمي إلى وجود شركة تحمل اسماً مشابهاً في مدينة طرطوس السورية، تعمل في مجال توفير الأطقم البحرية.

وتفتح هذه المعلومات ملف العلاقة بين مالك السفينة ومدير تشغيلها والجهة التي تولت التعاقد مع البحارة، خصوصاً في الجوانب المتعلقة بالتأمين البحري، وعقود العمل، وحقوق أفراد الطاقم وعائلاتهم.

وتكتسب وثائق الملكية والإدارة والتوظيف أهمية إضافية في تحديد المسؤوليات التعاقدية والإدارية عقب الحادث، إلى جانب سجلات الصيانة والتفتيش التي يفترض أن تكون ضمن الملفات الفنية الخاصة بالسفينة.

تضارب في الحمولة ومصير الطاقم

امتد تضارب المعلومات إلى طبيعة الحمولة التي كانت تنقلها «ألفا وطن» خلال رحلتها الأخيرة، إذ تحدثت مصادر بحرية نقل عنها التلفزيون البلغاري عن شحنة من الملح، بينما أشارت تقارير أخرى إلى القمح.

وتفيد بيانات الملاحة المتداولة بأن السفينة غادرت ميناء العريش المصري في الحادي والعشرين من أيلول/سبتمبر، وكانت وجهتها المعلنة ميناء سولينا الروماني. ويشكل بيان الحمولة الرسمي وبوليصة الشحن وسجلات الموانئ مرجعاً أساسياً لتحديد طبيعة البضائع والجهات التجارية المرتبطة بالرحلة.

وفي الجانب الإنساني، تواصل عائلات البحارة مطالبتها بكشف مصير أبنائها، وسط تصريحات متباينة بشأن احتمال وفاتهم.

ففي الثاني عشر من تشرين الأول، نقلت صحيفة «تليجراف مصر» تصريحات لرئيس نقابة الضباط البحريين المصريين تحدث فيها عن وفاة أفراد الطاقم، بالتزامن مع نشر مناشدة والد البحار المصري محمود كمال محمود عبدالعاطي لمواصلة البحث عن نجله.

وتبقى نتائج عمليات الإنقاذ وفحص الحطام والإجراءات الرسمية المتعلقة بتحديد مصير المفقودين عناصر أساسية في حسم هذا الجانب من القضية، بما يترتب عليه من حقوق قانونية وإنسانية لعائلات البحارة.

تحقيق دولي وأسئلة مفتوحة

أثار الهجوم على السفينة اتهامات متبادلة بشأن الجهة التي نفذته، بعدما حمّل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا المسؤولية، فيما نفت السفارة الروسية في بلغاريا تورط بلادها.

وطالبت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية بإجراء تحقيق مستقل وشفاف في الحادث، يشمل تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم، وظروف غرق السفينة، وأسباب إنهاء عمليات البحث، ومصير البحارة الذين كانوا على متنها.

وتتوزع الجوانب الفنية للتحقيق بين تحليل طبيعة الهجوم، ومراجعة بيانات الملاحة والاستغاثة، وفحص سجل السلامة والصيانة، وتقييم إجراءات الإنقاذ، إضافة إلى تحديد الجهات المسؤولة عن تشغيل السفينة وتوظيف طاقمها.

وتوفر السجلات البحرية المنشورة نقطة انطلاق مهمة لمراجعة تاريخ السفينة الفني، بينما تبرز شهادة زوجة أحد البحارة بوصفها معطى زمنياً يستحق المقارنة مع بيانات الاستغاثة الرسمية. وفي المقابل، يظل التقرير الكامل لعمليات البحث ووثائق التشغيل والصيانة ضرورياً لاستكمال صورة الحادث.

وبعد ستة أيام على الغرق، ما تزال عائلات البحارة تنتظر إجابات بشأن اللحظات الأخيرة على متن «ألفا وطن»، والإجراءات التي اتُخذت عقب الاستغاثة، والجهود الممكنة لتحديد مصير الطاقم.

وبينما تتجه الأنظار إلى تحديد الجهة التي أغرقت السفينة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً متعلقاً بالبحارة أنفسهم: ماذا جرى خلال الدقائق الأخيرة، وأين انتهى مصير الأشخاص العشرة الذين كانوا على متنها؟