تفتح تقديرات أضرار تتجاوز 110 ملايين دولار واحداً من أبرز ملفات العقود داخل الشركة السورية للبترول، بعدما وضعت المعلومات المنشورة ثلاث شركات في واجهة القضية هي «فولكون للخدمات اللوجستية» و«ستار بيترونوفا للطاقة» و«تعزيز للخدمات البترولية»، وسط أسئلة تتجاوز حجم الأموال إلى آليات اختيار المتعاقدين وشروط العقود والسلف المالية ومسار التنفيذ.
وتشير المعلومات المستندة إلى تقرير رقابي وقرار حجز احتياطي إلى توزيع الضرر المقدر بواقع نحو 93 مليون دولار مرتبطة بملف «فولكون»، و9.479 ملايين دولار بـ«ستار بيترونوفا»، ونحو 7 ملايين دولار بـ«تعزيز». في المقابل، وصفت الشركة السورية للبترول إجمالي الـ110 ملايين دولار بأنه «تقدير أولي للضرر» في ملفات لا تزال قيد التحقيق والتدقيق، وهو ما يجعل العقود والوثائق المالية المرتبطة بها نقطة البداية لفهم ما جرى.
«فولكون».. 93 مليون دولار في قلب الملف
تستحوذ «فولكون» على الجزء الأكبر من الأرقام المتداولة، إذ يرتبط ملفها وحده بنحو 93 مليون دولار من الضرر المقدر، أي قرابة 84% من الإجمالي. هذه النسبة تنقل الشركة إلى مركز القضية وتطرح أسئلة حول طبيعة الأعمال التي تعاقدت عليها، وقيمة العقود، والمدفوعات التي حصلت عليها، وحجم الأعمال المنفذة فعلياً.
البحث في المصادر المفتوحة يقود إلى كيان يحمل اسم Volcon Eastern Europe FZC في منطقة الحمراء الصناعية الحرة برأس الخيمة في الإمارات، ويقدم نفسه على أنه يعمل في الطاقة وتطوير المشاريع والخدمات اللوجستية والنقل البحري. ويحتاج ربط هذا الكيان بالشركة الواردة في الملف السوري إلى مطابقة السجل التجاري مع بيانات العقود، وهي خطوة من شأنها كشف هيكل الملكية والمستفيد الحقيقي وتاريخ التأسيس وسجل الأعمال السابق.
الأهمية هنا لا تتعلق بالاسم التجاري وحده، وإنما بالسؤال عن الكيفية التي تكوّن بها ضرر أولي بهذا الحجم. فالوصول إلى رقم 93 مليون دولار يفترض وجود عقود ومدفوعات وأعمال جرى تقييمها ومقارنتها بما تسلمته الدولة فعلياً، ما يجعل عقود «فولكون» وأوامر الصرف ومحاضر التنفيذ والاستلام أهم وثائق الملف في هذه المرحلة.
«تعزيز».. عقد بـ12 مليون دولار وسلفة بالنصف
في ملف «تعزيز» أصبحت بعض التفاصيل أكثر وضوحاً بعدما تحدث عضو لجنة الطاقة في مجلس الشعب خالد جمال الخلف عن اطلاعه على عقد تبلغ قيمته نحو 12 مليون دولار، يتضمن دفع 50% من قيمته مقدماً، أي ما يقارب ستة ملايين دولار.
هذه الدفعة تفتح سلسلة من الأسئلة المالية حول الكفالة المقدمة مقابل السلفة وشروط استردادها والجهة التي أجازت صرفها ونسبة التنفيذ عند تحويل الأموال، إضافة إلى قيمة الأعمال التي تسلمتها السورية للبترول في نهاية المطاف. كما تطرح المعلومات المنشورة عن الشركة أسئلة حول آلية اختيارها وخبرتها وملف تأهيلها وصلات إدارية سابقة لأشخاص مرتبطين بها بشركات عملت ضمن مجموعة القاطرجي.
وبذلك يصبح عقد «تعزيز» نموذجاً يمكن من خلاله فحص دورة التعاقد كاملة، بدءاً من التأهيل واختيار المتعاقد، مروراً بتوقيع العقد وصرف الدفعة المقدمة، وانتهاءً بالتنفيذ والاستلام وتحديد القيمة الحقيقية لما حصلت عليه الدولة مقابل الأموال المدفوعة.
«ستار بيترونوفا».. العودة إلى عقود النقل
اسم «ستار بيترونوفا» سبق ظهور ملف الـ110 ملايين، إذ تناولت تقارير صحفية خلال الأشهر الماضية عقوداً لنقل المشتقات النفطية مرتبطة بالشركة، وركزت على فروق بين أسعار النقل الواردة في التعاقدات والمبالغ التي يحصل عليها أصحاب الصهاريج.
عودة الشركة ضمن الملف الحالي مع ضرر مقدر بنحو 9.479 ملايين دولار تجعل مراجعة تلك العقود ضرورية، خصوصاً أن هذا النوع من التعاقدات يسمح بمقارنة مباشرة بين سعر نقل الطن المتفق عليه، والكميات المنقولة، والمبالغ التي دفعتها الجهة العامة، وما حصل عليه الناقل الفعلي، وهو ما يمكن أن يكشف طبيعة الفوارق المالية ومصدر تقدير الضرر.
حمد الخلف.. خيط الملكية بين الشركات الثلاث
في خلفية الشركات الثلاث يتكرر اسم رجل الأعمال حمد الخلف، إذ تنسب إليه المعلومات المنشورة حول ملف الحجز ملكية الشركات محل التدقيق، إلى جانب ورود أسماء عدد من الأشخاص المرتبطين بإدارة هذه الكيانات أو العمل فيها.
وتكتسب هذه النقطة أهمية تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأن توثيق هيكل الملكية قد يغيّر طريقة قراءة القضية. فإذا أظهرت سجلات الشركات ووثائق المستفيد الحقيقي وجود مركز ملكية مشترك، يصبح السؤال متعلقاً بحجم الأعمال الحكومية التي ذهبت إلى مجموعة مترابطة من الشركات، وآلية توزيع العقود بينها، ومدى الإفصاح عن هذه الروابط أثناء عمليات التأهيل والتعاقد.

ويتطلب حسم هذا الجانب الرجوع إلى سجلات الشركات السورية والإماراتية وعقود التأسيس وأسماء المديرين والمفوضين بالتوقيع، ثم مطابقتها مع العقود والحسابات التي استقبلت المدفوعات، بما يسمح ببناء خريطة واضحة للعلاقات التجارية والمالية بين أطراف الملف.
ماذا يوجد خلف رقم الـ110 ملايين؟
قدمت الشركة السورية للبترول في ردها توصيفاً مهماً للرقم المتداول، معتبرة أن الـ110 ملايين دولار تمثل «تقديراً أولياً للضرر» في ملفات تخضع للتحقيق والتدقيق. كما أوضحت أن جزءاً من العقود أُبرم عبر طلبات عروض ومنافسة، وأن ظروفاً استثنائية رافقت استعادة منشآت وحقول في المنطقة الشرقية وفرضت أعمالاً عاجلة مرتبطة بحماية المنشآت ونقل الخام ومعالجة مشكلات تشغيلية وبيئية.
هذا التوضيح يضع ملفات التعاقد نفسها في مركز القضية، لأن طلبات العروض يفترض أن تتضمن أسماء الشركات المتقدمة وأسعارها ومحاضر فض العروض وتقييمها وأسباب الإرساء، بينما تتيح العقود والكفالات وأوامر الصرف والفواتير ومحاضر الاستلام تتبع ما حدث بعد الاختيار. أما تقدير الضرر، فيفترض وجود أساس حسابي يشرح كيفية الوصول إلى الأرقام وتوزيعها بين الشركات الثلاث.
وعند جمع هذه الوثائق يمكن الانتقال من الأرقام الإجمالية إلى المسار الفعلي للأموال: ما قيمة كل عقد، وما الذي صُرف منه، وما الأعمال التي نُفذت، وكيف جرى تقييمها، وما الفارق الذي اعتبرته الجهات الرقابية ضرراً على المال العام.
العقود هي مفتاح القضية
تكشف الخيوط المتاحة حتى الآن أن أهمية القضية لا تتوقف عند رقم 110 ملايين دولار، بل تمتد إلى بنية التعاقد داخل قطاع نفطي حكومي خلال مرحلة شديدة الحساسية. فالملف يجمع ضرراً أولياً ضخماً مرتبطاً بـ«فولكون»، وعقداً بملايين الدولارات ودفعة مقدمة كبيرة لـ«تعزيز»، وعقود نقل مرتبطة بـ«ستار بيترونوفا»، إلى جانب خيط ملكية يحتاج إلى تتبع وتوثيق.
ولهذا ستكون عقود «فولكون»، وعقد «تعزيز» وكفالة الدفعة المقدمة، وعقود «ستار بيترونوفا»، وطلبات العروض ومحاضر لجان التقييم وأوامر الصرف ومحاضر التنفيذ والاستلام وسجلات الملكية، هي الوثائق القادرة على رسم الصورة الكاملة وتحديد العلاقة بين الأموال التي دفعتها الدولة والخدمات التي حصلت عليها.
ويبقى السؤال المركزي في هذا الملف متعلقاً بالمنظومة التي سبقت صرف الأموال: كيف وصلت هذه الشركات إلى عقود النفط السوري، وعلى أي أساس اختيرت، ومن أجاز العقود والمدفوعات التي أصبحت اليوم موضع تدقيق بمبالغ تتجاوز 110 ملايين دولار؟