عاجل
آخر تحديث 17:50

رجعت أصالة عالشام

بين «انتصار المظلوم» و«وديعة الشهداء»، تحولت عودة أصالة إلى دمشق من حفل فني إلى حدث محمّل برمزية الثورة والانتصار، في […]

رجعت أصالة عالشام
أدوات القراءة
حجم الخط

بين «انتصار المظلوم» و«وديعة الشهداء»، تحولت عودة أصالة إلى دمشق من حفل فني إلى حدث محمّل برمزية الثورة والانتصار، في بلد ما تزال فيه الخيام قائمة، وعائلات المفقودين تنتظر الحقيقة، والعدالة الانتقالية تبحث عن طريقها.

رجعت أصالة عالشام بعد غياب طويل، وأحيت حفلاً في صالة الفيحاء بدمشق وسط احتفاء رسمي وإعلامي واسع سبق الأمسية ورافقها. عودة فنانة سورية بحجم أصالة إلى مدينتها بعد سنوات من الغياب حدث فني يحظى بطبيعة الحال باهتمام الجمهور، غير أن حجم الحفاوة والتغطية والتصريحات التي أحاطت بالعودة نقلها سريعاً إلى مساحة أوسع من المسرح والأغنيات.

خلال أيام، أصبحت أصالة «الترند» السوري الأبرز. صورها في دمشق، التحضيرات للحفل، التكريم، الحضور، كلمات المسؤولين ومقاطع الأمسية ملأت المنصات، وتحولت عودتها إلى قضية يتجادل حولها السوريون. وفي بلد مزدحم بالملفات المفتوحة، طرح بعضهم سؤالاً أبعد من الحفل نفسه: «متى ينتهي عصر الترند في هذا البلد المحطّم؟»

السؤال اكتسب ثقله عندما دخل مسؤولون في الدولة على خط المناسبة، ومنحوا عودة أصالة معاني تتصل مباشرة بالثورة والشهداء والمظلومين والانتصار. عندها خرج النقاش من حدود الفن، وأصبحت الكلمات المستخدمة في الاحتفاء جزءاً من القضية.

«انتصار المظلوم» و«وديعة الشهداء»

خلال تكريم أصالة، وصف وزير الثقافة محمد ياسين صالح عودتها بأنها «انتصار المظلوم على الظالم»، وربطها بعودة السوري الحر إلى بلاده، وكأن الثورة التي دفعت كل ذلك الثمن كانت تنتظر عودة أصالة إلى دمشق وحفلاً في صالة الفيحاء كي تكتمل لحظة انتصارها.

الثورة التي تركت وراءها شهداء ومفقودين ومعتقلين ومهجرين ما تزال ملفات كثيرة من تضحيات أصحابها مفتوحة حتى اليوم. والانتصار، حين يُستدعى بهذه اللغة، يصبح أكبر من منصة وحفل وعودة فنان، ويضع المسؤول الذي يستخدمه أمام ما تحقق فعلاً لأصحاب تلك التضحيات.

وقبل الحفل، كتب المستشار الإعلامي لرئاسة الجمهورية أحمد موفق زيدان أن أصالة «ظلت أمينة على وديعة الشهداء حتى لحظة الانتصار».

و«وديعة الشهداء» عبارة أثقل من أن تمر بوصفها مجاملة في مناسبة فنية. خلفها عائلات فقدت أبناءها، وأطفال كبروا من دون آبائهم، وأمهات وآباء حملوا الصور وانتظروا سنوات، ومعتقلون خرجوا من السجون بآثارها، ومفقودون ما تزال عائلاتهم تبحث عن خبر يقين، ومهجرون انتهى بهم الطريق في المنافي والمخيمات.

الثورة التي حضرت في كلمات المسؤولين دُفع ثمنها في الشوارع والسجون والمنافي. ومن يستحضر «وديعة الشهداء» يستحضر معها أصحاب هذه الوديعة وحقوقهم؛ في كشف مصير المفقودين، وإنصاف المعتقلين والناجين، وحفظ حقوق عائلات الشهداء، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وإعادة المهجرين إلى بيوت وحياة تليق بما دفعوه من أثمان.

وشارك أصالة فنانون ومثقفون سوريون آخرون في اتخاذ مواقف مؤيدة للثورة، وعاش بعضهم سنوات طويلة خارج البلاد ودفع أثماناً شخصية ومهنية. عاد عدد منهم إلى سوريا خلال المرحلة الجديدة، ومرّت عودتهم بحفاوة أقل بكثير. وهنا يظهر جانب من صناعة الترند: اسم بحضور عربي واسع، وتغطية إعلامية كثيفة، ورعاية رسمية، ثم عبارات كبيرة تمنح المناسبة حمولة وطنية تتجاوز الحدث الفني.

ويمتد هذا التفاوت إلى ما هو أبعد من المواقف المعلنة. فخلال سنوات اللجوء السوري الطويلة، لا يظهر في السجل العلني المتاح توثيق لزيارة قامت بها أصالة إلى مخيم للاجئين السوريين في الداخل أو دول الجوار، في وقت قصد فيه فنانون سوريون وعرب وشخصيات عامة مخيمات السوريين والتقوا بعائلاتهم. وحتى النجمة الأميركية أنجلينا جولي زارت اللاجئين السوريين منذ السنوات الأولى، ووصلت إلى مخيم الزعتري في الأردن أكثر من مرة، كما زارت مخيم الأزرق والتقت عائلات سورية واستمعت إلى قصصها.

زيارة المخيم ليست مقياساً وحيداً للموقف من السوريين أو من الثورة، لكنها تكتسب دلالة عندما يوصف شخص بأنه «أمين على وديعة الشهداء» حتى «لحظة الانتصار». فمثل هذا الوصف يفتح تلقائياً سجل العلاقة مع أصحاب الوجع أنفسهم، ويضع إلى جانب الموقف السياسي المعلن سؤال الحضور بينهم والاقتراب من معاناتهم خلال سنوات النزوح واللجوء.

وتظهر المفارقة الأشد إيلاماً عند كلمة «العودة». ففي الوقت الذي احتفت فيه دمشق بعودة أصالة، ما تزال آلاف العائلات السورية تنتظر عودتها هي الأخرى.

قبل أيام من الحفل، أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح أن نحو 141 ألف عائلة ما تزال تعيش في المخيمات، رغم إغلاق أكثر من مئتي مخيم، وأن العمل جار للوصول إلى «سوريا بلا مخيمات» بحلول أيلول 2027. وفي إدلب وحدها، وفق الأرقام المعلنة، يعيش نحو 458 ألف شخص في 786 مخيماً.

بالنسبة إلى هؤلاء، كلمة «رجع» تحمل معنى آخر؛ بيتاً يصلح للسكن، وطريقاً وخدمات ومدرسة وفرصة عمل، وقدرة على طي الخيمة بعد سنوات من النزوح. وهناك عائلات تنتظر عودة من نوع أشد قسوة: خبراً عن مفقود، اسماً في سجل، وثيقة، شاهداً، أو معلومة تنهي سنوات من الانتظار.

هؤلاء أيضاً حاضرون عندما تدخل عبارة «وديعة الشهداء» إلى خطاب الدولة.

خارج صالة الفيحاء

جاء حفل أصالة في لحظة معيشية صعبة. شهدت سوريا خلال الأيام نفسها احتجاجات على ارتفاع أسعار الوقود بعد زيادة سعر المازوت وزيادات طالت مشتقات أخرى، قبل أن تعلن الحكومة لاحقاً إجراءات وأسعاراً مخفضة لبعض الاستخدامات المتعلقة بالتدفئة والزراعة والإنتاج. ويعيش السوريون تحت ضغط واسع من الفقر وضعف الدخل وارتفاع تكاليف الحياة.

هذه صورة البلد خارج صالة الفيحاء: دولة تحاول إعادة الفن والسياحة والاستثمار والحياة إلى مدنها، وتواجه في الوقت نفسه اقتصاداً منهكاً، ومناطق تحتاج إلى إعادة إعمار، ومخيمات تنتظر الإغلاق، ومفقودين ينتظر أهلهم الحقيقة، وضحايا ينتظرون الإنصاف.

وفي قلب هذه الصورة يقف ملف العدالة الانتقالية.

كشف الحقيقة، وحفظ الأدلة، وتحديد مصير المفقودين، وجبر الضرر، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وحماية حقوق الضحايا؛ هنا تأخذ كلمات مثل «المظلوم» و«الشهداء» معناها العملي. وهنا يصبح الحديث عن «لحظة الانتصار» شديد الحساسية، لأن السوري الذي دفع الثمن ينتظر لهذه اللحظة أثراً يتجاوز الكلمات.

عند أم المفقود تبدأ بمعرفة أين ذهب ابنها. وعند الناجي من المعتقل تبدأ بوصول الجريمة إلى القضاء. وعند عائلة الشهيد ترتبط بحفظ حقه وكرامة أسرته وذاكرته. وعند العائلة النازحة قد تكون لحظة الانتصار في اليوم الذي تطوي فيه خيمتها للمرة الأخيرة وتعود إلى بيتها.

هذه الملفات ثقيلة وبطيئة. تحتاج مؤسسات وقوانين وأدلة وتحقيقات ومحاكم وموارد، وتحتاج إلى سنوات من العمل الذي يصعب اختزاله في صورة رائجة على مواقع التواصل. الترند يعيش أياماً، فيما تبقى الملفات التي صنعت وجع السوريين مفتوحة بعد أن تنطفئ الكاميرات.

لهذا أخذ الاحتفاء بأصالة كل هذا البعد النقدي. حجم الرمزية التي مُنحت للمناسبة، والكلمات التي اختارها مسؤولون لوصفها، حمّلا الحفل ما يتجاوز الحفل نفسه. قول «انتصار المظلوم على الظالم» يضع أحوال المظلومين في قلب العبارة، وقول «وديعة الشهداء» يستحضر عائلات الشهداء والمفقودين والضحايا وما ينتظرونه من الدولة.

وسيهدأ ترند أصالة، وستنتقل المنصات إلى قصة أخرى. وستبقى على الطاولة ملفات المخيمات والمفقودين وأسر الشهداء والعدالة الانتقالية والفقر وإعادة الإعمار، وسيبقى السوريون يقيسون الكلمات الكبيرة بما يرونه من نتائج في حياتهم.

رجعت أصالة عالشام.

وستبقى «وديعة الشهداء» أثقل من حفل وأبعد من مسرح؛ في بيت عائلة شهيد، وفي خيمة مهجر، وفي ملف مفقود، وفي قضية تنتظر العدالة. وهناك يُختبر معنى «انتصار المظلوم» بعد أن ينتهي الترند.