Press 365 – خاص
من سجلات الموظفين والإنفاق والمشتريات إلى المراسلات والأصول والشكاوى والمصالح العقارية، تتجه مؤسسات الإدارة المحلية السورية إلى جمع أجزاء واسعة من عملها داخل منظومة رقمية مركزية تنفذها شركة سعودية، في مشروع يصل تدريجياً إلى نحو 1470 وحدة إدارية ويأتي بالتوازي مع اتفاقات أخرى تشمل مراكز البيانات والحوسبة السحابية والنسخ الاحتياطي والأمن السيبراني، إضافة إلى تعاون تركي في أتمتة السجل العقاري والمساحي.
وتكشف مراجعة Press 365 لسلسلة الاتفاقيات والإفصاحات الرسمية أن عقد «إيجاد تيك» السعودية، الذي وقعته وزارة الإدارة المحلية والبيئة في 16 أيلول، يمثل جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل البنية الرقمية الحكومية السورية، ومع اتساع هذه المشاريع تصبح أسئلة مكان تخزين البيانات، وصلاحيات الوصول إليها، وإدارة النسخ الاحتياطية، وملكية مفاتيح التشفير والبرمجيات، في صلب ملف حماية البيانات والسيطرة على الأنظمة الحكومية.
وبحسب الإعلان الرسمي، يشمل نظام إدارة الموارد «ERP» الجديد الموارد البشرية والأنظمة المالية والمشتريات وإدارة المشاريع والمراسلات والأصول والشكاوى والطلبات، مع توحيد الإجراءات والبيانات واستخدام الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة، وسيطبق على الوزارة والمحافظات ونحو 1470 وحدة إدارية والمصالح العقارية وفروعها والمؤسسات التابعة للوزارة، ما يعني أن المنظومة ستتعامل مستقبلاً مع طبقات واسعة من البيانات الإدارية والمالية والعقارية.
وتحدثت الوزارة عن حماية البيانات واستمرارية الخدمات وتأهيل الكوادر الوطنية، فيما بقيت في المعلومات المنشورة تفاصيل تحتاج إلى توضيح، بينها قيمة العقد، ومكان استضافة البيانات والنسخ الاحتياطية، وطبيعة الصلاحيات التي تحتاجها الشركة خلال التشغيل والصيانة، وملكية مفاتيح التشفير والبرمجيات التي ستُطوّر خصيصاً للمشروع.
من «إيجاد تيك» إلى مراكز البيانات
البحث في هوية المقاول يقود إلى شركة اتحاد عذيب للاتصالات «GO Telecom» السعودية، التي استحوذت عام 2025 على 51% من «إيجاد تيك» مقابل 86.7 مليون ريال سعودي، لتصبح صاحبة الحصة المسيطرة في الشركة المنفذة للمشروع السوري، وتكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية عند العودة إلى اتفاق آخر أبرمته GO مباشرة مع الحكومة السورية.
فالشركة وقعت اتفاقية إطارية مدتها خمس سنوات مع وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات تشمل إنشاء مركز بيانات رئيسي وآخر للتعافي من الكوارث، وتجهيز بيئة للحوسبة السحابية والنسخ الاحتياطي، وإنشاء وتشغيل منصة تقنية لدعم التحول الرقمي ومركز للأمن السيبراني، إلى جانب تدريب كوادر للعمل مع الوزارة، وقد تصل القيمة الإجمالية للأعمال ضمن الاتفاقية إلى 1.955 مليار ريال سعودي، أي نحو 521 مليون دولار، على أن تحدد الأعمال والمبالغ الفعلية من خلال أوامر عمل واتفاقيات لاحقة.
وعند جمع المسارين تظهر صورة تتجاوز برنامج ERP؛ فالشركة التي تنفذ منظومة الإدارة المؤسسية مملوكة بالأغلبية لشركة ترتبط بدورها بمشروع سوري لمراكز البيانات والسحابة والنسخ الاحتياطي والأمن السيبراني، وهو تقاطع يطرح سؤالاً مباشراً عن البنية التي سيعمل عليها نظام الإدارة المحلية، ومكان استضافته، والجهة التي ستدير الخوادم والنسخ الاحتياطية، ومستوى الوصول الذي تحتاجه فرق الدعم والصيانة.
وتصبح هذه التفاصيل أكثر حساسية مع انتقال الموارد البشرية والمشتريات والإنفاق والمراسلات والأصول والمعلومات العقارية إلى قواعد مركزية مترابطة، لأن السيطرة على النظام في هذه الحالة تتحدد عملياً بمن يملك حسابات الإدارة العليا ومفاتيح التشفير، ومن يستطيع الوصول إلى قواعد البيانات، وكيف تستطيع الدولة استعادة المنظومة وتشغيلها بصورة مستقلة عند انتهاء العقد أو تغيير المشغل.
تركيا تدخل على خط السجل العقاري
بالتوازي مع المسار السعودي، دخل التعاون التركي إلى واحد من أكثر الملفات الحكومية حساسية، ففي نيسان الماضي وقعت وزارة الإدارة المحلية مذكرة تفاهم مع شركة «Türksat» للاستفادة من الخبرة التركية في التحول الرقمي، ثم زار ممثلون عن السجل العقاري التركي و«Türksat» في نهاية آب مديريات ومكاتب تابعة للمصالح العقارية السورية، واطلعوا على واقع العمل في السجلين العقاري والمساحي وبحثوا أتمتتهما وبناء منظومة إلكترونية متكاملة لإدارة البيانات والمعاملات.
وأعلنت الوزارة بعد ذلك بدء التحضيرات لأتمتة السجل العقاري والمساحي والخدمات العقارية بالاستفادة من الخبرات التركية، وهنا تظهر نقطة تقاطع مهمة؛ فالمصالح العقارية نفسها تدخل ضمن نظام ERP الذي تنفذه «إيجاد تيك»، بالتزامن مع تطوير منظومتها العقارية بالتعاون مع الجانب التركي، ما يجعل طريقة ربط المشروعين ومكان قواعد البيانات الأصلية وإدارة واجهات الربط ومستويات الوصول الممنوحة لكل طرف مسائل تحتاج إلى توضيح.
وتكتسب هذه المسألة ثقلاً خاصاً في سوريا، حيث يحمل السجل العقاري تاريخ الملكيات وانتقالها والحقوق والإشارات المرتبطة بها، في بلد شهد سنوات من الحرب والنزوح والمصادرات والنزاعات على الملكية وتضرر أجزاء من السجلات والوثائق، كما أعلنت الجهات الحكومية خلال العام الحالي التعامل مع مئات آلاف القيود العقارية المرتبطة بإجراءات نقل الملكية ومشكلات في القواعد المركزية السابقة.
وعند تحويل هذه السجلات إلى منظومات رقمية مترابطة تصبح الحماية مرتبطة أيضاً بسجل التغييرات: من عدّل القيد، ومن وافق على التعديل، ومتى جرى، وأين تحفظ النسخة السابقة، ومن يستطيع استعادة البيانات عند وقوع خطأ أو اختراق، وهي تفاصيل تمنح السجل الرقمي قيمته القانونية وتحمي حقوق أصحابه.
من يملك البيانات ومن يملك النظام؟
الاستعانة بشركات أجنبية في المشاريع الحكومية الرقمية موجودة في دول عديدة، وتتعامل الحكومات مع حساسية هذه العلاقة عبر عقود وقواعد تحدد مكان تخزين البيانات ومعالجتها، وهوية الأشخاص القادرين على الوصول إليها، وصلاحيات المقاولين والمقاولين الفرعيين، وقواعد الاتصال عن بُعد، ومفاتيح التشفير، وآلية استعادة البيانات أو نقل النظام عند تغيير المزود.
وفي أوروبا تطور هذا النقاش إلى مفهوم «السيادة السحابية»، الذي يركز على احتفاظ المؤسسات العامة بالسيطرة القانونية والتقنية والتشغيلية على بياناتها وأنظمتها، ومعرفة سلسلة الشركات التي يمكنها الوصول إليها، وتقليل الارتهان التقني لمزود واحد، وضمان قدرة المؤسسة الحكومية على نقل بياناتها وأنظمتها إلى بيئة أخرى عند الحاجة.
وبهذا المعنى، تصبح جنسية الشركة جزءاً من المشهد، بينما تحدد بنية العقد والتقنية مستوى السيطرة الفعلية: أين توجد البيانات، وأي قانون يحكمها، ومن يملك صلاحية الوصول إليها، ومن يحتفظ بالمفاتيح التقنية، وما قدرة الدولة على تشغيل النظام واستعادته بصورة مستقلة.
ولدى سوريا قانون لحماية البيانات الشخصية صدر عام 2024 وينظم جمع البيانات ومعالجتها وتخزينها وإتاحتها ونقلها عبر الحدود، ويحدد مسؤوليات المتحكم والمعالج وشروط التعامل مع البيانات عند وجود طرف خارج البلاد، ما يجعل تحديد الصفة القانونية والتقنية للشركات المتعاقدة مسألة أساسية في هذه المشاريع، خصوصاً في ما يتعلق بالدعم الفني والوصول عن بُعد والصيانة وإدارة قواعد البيانات.
وتزداد الصورة تعقيداً عند العودة إلى مشروع حكومي سابق، إذ أعلنت وزارة التنمية الإدارية في تموز 2025 تدريب كوادر سورية على نظام ERP لإدارة الموارد البشرية يجري إعداده للتعميم على الجهات العامة عبر قاعدة بيانات مركزية موحدة للعاملين، الأمر الذي يفتح سؤالاً عن علاقة النظام السابق بالمشروع الجديد، وطريقة التكامل بينهما، وتوزيع البيانات والصلاحيات والمعايير التي ستربط أنظمة الوزارات المختلفة.
وتبقى إلى جانب ذلك تفاصيل تعاقدية ذات وزن كبير، مثل قيمة عقد «إيجاد تيك» وطريقة اختيار الشركة، وملكية البرمجيات والتعديلات المطورة خصيصاً لسوريا، وحسابات الإدارة العليا ومفاتيح التشفير ومواقع النسخ الاحتياطية، وخطة تسليم النظام والبيانات إلى الدولة عند انتهاء العقد أو انتقال التشغيل إلى جهة أخرى.
يحمل التحول الرقمي في الوقت نفسه فوائد إدارية كبيرة، من توحيد الإجراءات وضبط الصلاحيات وتتبع الإنفاق والمشتريات إلى توثيق القرارات والتعديلات وتقليل المعاملات الورقية وبناء سجلات رقابية أكثر دقة، وهي أهداف تقول وزارة الإدارة المحلية إن المشروع سيستخدمها لتسريع معاملات المواطنين ورفع كفاءة الأداء وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد.
غير أن حجم المشروع يجعل الشفافية حول بنيته وعقوده جزءاً من نجاحه، فالنظام الذي يعرف حركة الأموال والمشتريات والموظفين والمراسلات والأصول والعقارات سيصبح جزءاً من الذاكرة المؤسسية للدولة، وحمايته ترتبط منذ البداية بمكان البيانات وصلاحيات الوصول إليها وملكية أدوات التحكم بها.
ومع دخول شركات سعودية وتركية إلى أجزاء مختلفة من هذه الخريطة، تصبح الحاجة إلى تصور حكومي معلن أكثر إلحاحاً، يوضح أين تحفظ بيانات الدولة، وكيف تنتقل بين الأنظمة، ومن يديرها، وما حدود وصول الشركات المتعاقدة إليها، وكيف تحتفظ المؤسسات السورية بالسيطرة التقنية الكاملة على منظوماتها بعد انتهاء العقود.
فالمشروع الذي بدأ في العناوين بوصفه نظاماً لإدارة الموارد يكشف، عند تتبع الشركات والاتفاقيات والمشاريع المتقاطعة، قضية أكبر بكثير:
من يبني العمود الفقري الرقمي للدولة السورية، ومن يمسك بمفاتيحه عندما يكتمل؟