تفتح خطة تحويل مطار المزة العسكري في دمشق إلى مطار مدني مخصص للطيران الخاص والتنفيذي ملفات ظلت عالقة لعقود، بعدما أعاد المشروع إلى الواجهة مطالب عائلات تقول إنها ما تزال تحتفظ بوثائق تثبت حقوقها في أراضٍ أقيمت عليها منشآت المطار، بالتزامن مع تحذيرات حقوقية من أعمال قد تطال مواقع دفن محتملة مرتبطة بمعتقلين قضوا في مرافق المخابرات الجوية داخل الموقع.
تحقيق خاص Press365
وتكشف متابعة Press 365 للملف، إلى جانب شهادة خاصة لأحد أصحاب الأراضي ومراجعة المعطيات العقارية والحقوقية المنشورة، أن مشروع المطار الجديد يقف أمام قضيتين لم تُحسما بعد: حقوق المالكين والتعويضات من جهة، وحماية المواقع المرتبطة بالمفقودين والضحايا من جهة أخرى، في وقت لم تتضح فيه بصورة كاملة تفاصيل المستثمر أو المطور الذي سيتولى المشروع.
وكانت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي قد أعلنت إعداد خطط لإعادة تصنيف مطار المزة من منشأة عسكرية إلى مطار مدني محدود، يركز على الطيران الخاص والتنفيذي ويعمل بصورة مكملة لمطار دمشق الدولي، مؤكدة بدء أعمال أولية تشمل إزالة الركام وبعض أعمال البنية التحتية المرتبطة بالملاحة الجوية.
وقالت الهيئة إن تنفيذ المشروع سيكون على مراحل، مع استكمال المتطلبات الفنية والتنظيمية ومراعاة الجوانب القانونية والاجتماعية والبيئية المرتبطة بالموقع والمنطقة المحيطة به.
لكن بدء التحرك على الأرض أعاد فتح ملف أقدم من المشروع نفسه.
عائلات تتمسك بحقوقها في الأرض
في حديث خاص لـPress 365، قال أحد أصحاب الأراضي في محيط مطار المزة، طالباً عدم الكشف عن اسمه، إن عائلته وعائلات أخرى من المنطقة ما تزال تعتبر هذه الأراضي ملكاً لها، وتحتفظ، بحسب قوله، بوثائق تثبت حقوقها فيها رغم قرارات الاستملاك التي تعود إلى عقود.
وأوضح المصدر أن اعتراض الأهالي لا يستهدف إعادة تشغيل المطار أو الاستثمار في المنطقة، وإنما يتعلق ببدء مشروع استثماري جديد قبل حسم حقوق المالكين وملف التعويضات، مشيراً إلى أن القضية بالنسبة إليهم ترتبط بالطريقة التي ستعالج بها الدولة الملكيات القديمة مع انتقال الموقع من الاستخدام العسكري إلى نشاط مدني واستثماري.
وتتقاطع هذه الشهادة مع احتجاجات شهدتها معضمية الشام عقب الإعلان عن المشروع، طالب خلالها سكان وأصحاب أراضٍ بمعالجة ملف الاستملاكات، وهو ملف يمتد تاريخياً إلى مراحل إنشاء المطار وتوسعته.
وتشير سجلات عقارية صادرة عن بلدية معضمية الشام، اطلعت عليها وكالة رويترز، إلى أن منشآت المطار تقع على نحو 2.76 كيلومتر مربع من أراضٍ تعود ملكيتها إلى مئات المواطنين.
ونقلت الوكالة عن مسؤول بلدي سابق قوله إن المطار شُيّد عام 1956 قبل استكمال إجراءات الاستملاك، وإن قرارات صدرت لاحقاً لتسوية الوضع القانوني للأراضي، فيما قال إن أصحابها لم يحصلوا على التعويضات.
كما أعاد المشروع إلى الواجهة سلسلة الاستملاكات التي طالت أراضي معضمية الشام خلال عقود. وتشير معلومات ووثائق عرضها مختصون في الملف العقاري بالمنطقة إلى دخول عقارات عدة ضمن عمليات استملاك مرتبطة بالمطار وتوسعاته، ما يجعل تحديد الوضع الحالي لكل قطعة أرض مرتبطاً بالعودة إلى السجلات وقرارات الاستملاك وإثباتات التعويض.
وفي المقابل، يرى مختصون قانونيون أن انتقال العقار المستملك إلى اسم الدولة يجعلها مالكه قانوناً، وأن تغيير الاستخدام من عسكري إلى مدني لا يؤدي تلقائياً إلى إعادة الأرض إلى مالكها السابق، بينما يبقى ملف التعويضات قائماً في الحالات التي لم تُسوَّ فيها الحقوق المالية.
وهنا تكمن إحدى العقد الأساسية في القضية. فالنقاش لا يقتصر على هوية المالك المسجل اليوم، وإنما يمتد إلى ما إذا كانت إجراءات الاستملاك اكتملت، وما إذا دفعت التعويضات، وما هي الحقوق التي بقيت عالقة طوال العقود الماضية.
وتصبح هذه الأسئلة أكثر أهمية مع انتقال المطار من وظيفة عسكرية إلى مشروع ذي طبيعة اقتصادية واستثمارية، خصوصاً أن التفاصيل الكاملة المتعلقة بالمطور أو المستثمر النهائي ونموذج تشغيل المطار لم تُعلن بصورة واضحة حتى الآن.
غير أن الأرض نفسها تحمل ملفاً آخر أكثر حساسية من النزاع العقاري.
خلف المدرج.. مفقودون ومواقع دفن محتملة
خلال حكم بشار الأسد، ارتبط مطار المزة بإدارة المخابرات الجوية، وضم مرافق احتجاز مرّ عبرها آلاف السوريين، فيما تكشف وثائق أمنية ودراسات حقوقية جانباً من الانتهاكات التي شهدها الموقع.
وبحسب وثائق حصل عليها المركز السوري للعدالة والمساءلة، ناقش مسؤولون في المخابرات الجوية عام 2012 استخدام أجزاء من المطار لتنفيذ أحكام إعدام بحق معتقلين صدرت بحقهم أحكام عن المحاكم الميدانية العسكرية.
وتشير الوثائق إلى بحث نقل عمليات الإعدام من سجن صيدنايا إلى مطار المزة، ومناقشة مواقع داخل المطار لتنفيذها، وصولاً إلى مراسلات تناولت تجهيز المكان والمستلزمات المستخدمة في تنفيذ الأحكام.
وفي تحقيق موسع نشره المركز عام 2025، استند الباحثون إلى مقابلات مع 156 ناجياً وثمانية أعضاء سابقين في المخابرات الجوية، إلى جانب وثائق وقواعد بيانات وصور أقمار صناعية، وقدروا أن ما لا يقل عن 29 ألف معتقل مروا عبر مرافق الاحتجاز في المزة بين عامي 2011 و2017.
كما وثق التحقيق 1154 حالة وفاة مرتبطة بالمعتقلين الذين تناولتهم البيانات التي جرى تحليلها، فيما ربطت الوثائق والشهادات الوفيات بالإعدام والتعذيب وسوء المعاملة وظروف الاحتجاز.
ولا يمثل هذا الرقم حصيلة نهائية لجميع ضحايا الموقع، وإنما الحالات التي أمكن توثيقها من خلال المواد التي توفرت للباحثين.
ومع تتبع مصير الجثامين، حدد المركز مواقع يشتبه بارتباطها بعمليات دفن، بينها موقعان داخل نطاق مطار المزة، وأرسل إحداثياتهما في تموز 2025 إلى الهيئة الوطنية للمفقودين، مطالباً بحمايتهما من أعمال البناء والحفر إلى حين إجراء التحقيقات اللازمة.
وعاد الملف إلى الواجهة مع بدء التحضير لإعادة تأهيل المطار، إذ حذر المركز في الثامن من أيلول الجاري من أن أعمال الحفر وإزالة الأنقاض قد تلحق ضرراً برفات بشرية أو أدلة جنائية محتملة.
ولا توجد حتى الآن نتائج تنقيب جنائي رسمي تثبت وجود مقابر جماعية في الموقعين. وتستند الشبهات إلى مجموعة من الوثائق والشهادات وتحليل صور الأقمار الصناعية والتغيرات التي رُصدت في الأرض، ولذلك يبقى التوصيف الأدق لها مواقع دفن مشتبه بها إلى أن تخضع لفحص ميداني متخصص.
وتمنح هذه المعطيات أعمال التأهيل حساسية خاصة، إذ إن العبث بموقع يحتوي على رفات محتملة قد يؤدي إلى فقدان أدلة يصعب استعادتها. ولا تتوقف القيمة الجنائية على الرفات وحدها، فموقع الجثامين وطريقة الدفن والأشياء المصاحبة لها وطبقات التربة يمكن أن تساعد في إعادة بناء ما حدث، فيما قد تتيح فحوص الحمض النووي التعرف إلى هويات بعض الضحايا.
وبينما تمضي السلطات في خطط إعادة تشغيل المطار، لم تتضمن المعلومات الرسمية المنشورة حتى إعداد هذا التحقيق تفاصيل كاملة عن المستثمر أو المطور النهائي، أو قيمة المشروع ونموذج تشغيله وطبيعة العقود التي ستنظم الاستثمار فيه.
وتضع هذه الملفات المشروع أمام استحقاقات تتجاوز إعادة تأهيل المدرج والمنشآت. فأصحاب الأراضي يطالبون بحسم حقوق يقولون إنها بقيت معلقة لعقود، وعائلات المفقودين تنتظر حماية المواقع المحتملة والبحث عما قد تحتويه، فيما تتجه الدولة إلى إعادة توظيف واحد من أبرز المواقع العسكرية السابقة القريبة من قلب دمشق.
ويشكل مطار المزة بذلك نموذجاً مبكراً للتحدي الذي قد تواجهه مشاريع إعادة استثمار منشآت ارتبطت بعهد الأسد؛ إذ تتداخل القيمة الاقتصادية للموقع مع حقوق الملكية وملفات الانتهاكات والمفقودين التي لم تُغلق بعد.
وفي المزة، يجتمع كل ذلك على أرض واحدة: مدرج يستعد لاستقبال الطائرات الخاصة، وعائلات تتمسك بحقوقها في الأرض، وأخرى ما تزال تبحث عن أبنائها.
وقبل أن تبدأ الصفحة الجديدة للمطار، يبقى في الصفحة القديمة سؤالان بلا جواب نهائي:
لمن الأرض؟ وأين الضحايا؟