عاجل
آخر تحديث 17:50

مليار دولار في حملات التبرع السورية.. كم وصل فعلياً وأين صُرف؟

بعد نحو عام على انطلاق موجة حملات التبرع في المحافظات السورية، والتي تجاوز مجموع أرقامها المعلنة مليار دولار، تكشف البيانات […]

مليار دولار في حملات التبرع السورية.. كم وصل فعلياً وأين صُرف؟
أدوات القراءة
حجم الخط

بعد نحو عام على انطلاق موجة حملات التبرع في المحافظات السورية، والتي تجاوز مجموع أرقامها المعلنة مليار دولار، تكشف البيانات اللاحقة للحملات عن فجوة واسعة بين المبالغ التي ظهرت على الشاشات وبين الأموال التي وصلت فعلياً. فالأرقام التي قُدمت للجمهور باعتبارها حصيلة للتبرعات ضمت، في عدد من أكبر الحملات، أموالاً نقدية وتعهدات مستقبلية ومساهمات عينية ومشاريع تتولى منظمات أو رجال أعمال تنفيذها مباشرة، إضافة إلى مساهمات حكومية.

وتتبّع Press 365 الأرقام المعلنة في عدد من أكبر الحملات، ثم قارنها بالإفصاحات التي صدرت عنها بعد انتهاء فعاليات جمع التبرعات. وتظهر المقارنة أن جزءاً من الأرقام الضخمة التي رفعت إجمالي الحملات إلى أكثر من مليار دولار لم يدخل حساباتها نقداً، وأن بعض التعهدات بقي قيد التحصيل أو التنفيذ بعد أشهر، فيما خضعت أرقام أخرى للتدقيق والتعديل.

وفي المقابل، وصلت أموال حقيقية ونُفذت مشاريع بالفعل في عدد من المحافظات، وهو ما يجعل السؤال عن مصير التبرعات أكثر دقة: المطلوب اليوم ليس البحث عن مليار دولار يفترض أنه دخل الحسابات، وإنما تحديد ما تم تحصيله فعلياً من كل حملة، وما نُفذ منه، وما بقي من التعهدات، ثم معرفة مصير الأموال التي دفعها أصحابها بالفعل.

من أرقام الشاشات إلى الأموال الفعلية

تقدم حملة «حلب ست الكل» المثال الأكبر على الفارق بين الرقم المعلن وطبيعة المساهمات التي يتكون منها. فقد اختتمت الحملة في كانون الأول/ديسمبر 2025 بإعلان حصيلة بلغت نحو 426 مليون دولار، وهي أكبر حصيلة معلنة بين حملات المحافظات السورية. وتصدرت الحملة مساهمات كبيرة، بينها 40 مليون دولار باسم رجل الأعمال عبد القادر سنكري و35 مليون دولار باسم مجموعة باكير القابضة.

غير أن الحملة بدأت بعد انتهاء فعالياتها عملية تدقيق للتعهدات. وفي شباط/فبراير 2026، عقدت اللجنة العليا للحملة اجتماعاً برئاسة محافظ حلب عزام الغريب لمطابقة التبرعات المنفذة مع التعهدات التي لم تستكمل بعد، وجرى التواصل مع أصحاب تعهدات لاستكمال إجراءاتها.

وبحلول نهاية نيسان/أبريل، أظهرت البيانات المنشورة عن الحملة صورة أكثر تفصيلاً للرقم الكبير. فقد تجاوزت قيمة المساهمات المقبولة بعد التقييم 287 مليون دولار، بينما بقي نحو 140 مليون دولار قيد التقييم. أما التبرعات النقدية المقبولة فبلغت نحو 10.35 ملايين دولار، تسلمت الحملة منها فعلياً قرابة 6.6 ملايين دولار حتى ذلك التاريخ.

وضمت الحصيلة أيضاً أكثر من 12 مليون دولار من التبرعات العينية المقبولة، إضافة إلى مساهمات كبيرة لمنظمات وجمعيات ومشاريع يتولى أصحابها تنفيذها، وهو ما يفسر جزءاً كبيراً من المسافة بين الرقم الإجمالي المعلن وبين النقد الذي دخل إلى الحملة.

ولا تسمح الإفصاحات العامة التي راجعها Press 365 حتى الآن بتحديد حالة تعهد سنكري البالغ 40 مليون دولار أو تعهد مجموعة باكير البالغ 35 مليون دولار كل على حدة، ولذلك لا يمكن اعتبار أي منهما تعهداً غير منفذ من دون وثيقة أو إفصاح من إدارة الحملة. إلا أن عدم وجود كشف علني يطابق أكبر الأسماء والمبالغ التي ظهرت خلال الحملة مع حالة كل تعهد بعد أشهر يترك جزءاً مهماً من الصورة غير متاح للجمهور.

وتتكرر الفجوة بصورة مختلفة في درعا. فقد انتهت حملة «أبشري حوران» بإعلان أكثر من 44.3 مليون دولار، ثم أظهرت عملية التدقيق أن قيمة التعهدات المثبتة بلغت نحو 34.35 مليون دولار. وحتى نهاية عام 2025 لم تتجاوز نسبة التحصيل المعلنة 17 في المئة.

وفي آذار/مارس 2026، قال مدير الحملة مازن الخيرات إن قيمة ما تم تحصيله نقداً أو تنفيذه على شكل مشاريع بلغت نحو 9.63 ملايين دولار، بينها 4.83 ملايين دولار نقداً و3.8 ملايين دولار على شكل مشاريع، إضافة إلى نحو مليون دولار من مشاريع المنظمات.

ويقدم تعهد رجل الأعمال موفق قداح مثالاً على طبيعة بعض الأرقام التي ظهرت في الحصيلة. فقد أُعلن عن مساهمة بقيمة عشرة ملايين دولار باسمه، بينما قال الخيرات بعد أشهر إن 7.5 ملايين دولار منها ما تزال مجدولة وفق احتياجات المحافظة، مؤكداً أن التعهد منظم الدفع وليس متعثراً. كما بقيت مساهمة لوزارة المالية بقيمة عشرة ملايين دولار ضمن الالتزامات التي تنتظرها الحملة.

وفي دير الزور، كان الفارق أكثر وضوحاً. فقد قال عدنان الدخيل، أحد أمناء حملة «دير العز» والمشرفين عليها، في آذار/مارس إن الحملة استلمت فعلياً 4.5 ملايين دولار من أصل نحو 28 مليون دولار.

وأوضح الدخيل أن الرقم الإجمالي يضم عشرة ملايين دولار من الدعم الحكومي ونحو 12 مليون دولار من تعهدات المنظمات، إضافة إلى مساهمات مخصصة لمشاريع مباشرة، بينها مساهمة للهلال الأحمر السوري بقيمة 1.5 مليون دولار لترميم منازل ومحال، مع وجود تعهدات أخرى لم تكن قد نُفذت حتى ذلك الوقت.

وبذلك تصبح الأرقام الثلاثة دالة على المشكلة نفسها بصور مختلفة: 426 مليون دولار في حلب لم تكن 426 مليوناً نقداً، و44 مليوناً في درعا لم تدخل كاملة إلى صندوق الحملة، و28 مليوناً في دير الزور تضمنت منذ البداية دعماً حكومياً وتعهدات ومشاريع إلى جانب الأموال المستلمة.

تبرعات وصلت ومشاريع نُفذت

الفارق بين الأرقام المعلنة والمبالغ المحصلة لا يعني أن الأموال التي وصلت إلى الحملات اختفت. فقد أظهرت المتابعة وجود مشاريع فعلية نُفذت أو بدأ تنفيذها في عدد من المحافظات، كما نشرت بعض الحملات بيانات أكثر تفصيلاً عن مواردها بعد انتهاء فعاليات جمع التبرعات.

في درعا، أعلن مهند الجهماني، مدير مشاريع «أبشري حوران»، عن تنفيذ مشاريع بقيمة تقارب 7.8 ملايين دولار حتى بداية عام 2026. وشملت الأعمال قطاع التعليم من خلال ترميم 205 مدارس وبناء أربع مدارس جديدة وتأمين آلاف المقاعد، إلى جانب مشاريع في الصحة والمياه وتأهيل مراكز صحية وحفر وتعميق آبار للشرب.

وفي ريف دمشق، أظهرت عملية التدقيق في حملة «ريفنا بيستاهل» طبيعة أخرى للأرقام المعلنة. فبعد مراجعة التعهدات، جرى الكشف عن أكثر من سبعة ملايين دولار من الأخطاء الفنية، إلى جانب حالات لم تستكمل عملية التحقق منها وتعهدات تعذر التواصل مع أصحابها.

وبعد التدقيق تجاوزت القيمة الصافية المعتمدة للحملة 70 مليون دولار، لكن نحو 20 في المئة فقط منها كان نقدياً، بينما شكل الدعم العيني نحو 80 في المئة. وأطلقت المحافظة لاحقاً خطة لتنفيذ مشاريع خدمية ممولة من موارد الحملة.

وتقدم هذه النسبة مثالاً واضحاً على صعوبة التعامل مع حصيلة أي حملة باعتبارها مبلغاً نقدياً واحداً. فالمساهمة العينية التي تُقدر بمليون دولار قد تكون معدات أو مواد أو خدمات بالقيمة نفسها، من دون أن يدخل المليون دولار إلى حساب مصرفي تابع للحملة.

وفي حماة، تجاوزت الحصيلة المعلنة لحملة «فداء لحماة» 210 ملايين دولار، وظهرت ضمنها مساهمات نقدية وتعهدات بمشاريع من رجال أعمال ومنظمات. وأعلنت المحافظة لاحقاً عن حزم من المشاريع المرتبطة بالحملة، بينها حزمة ثانية تضم 53 مشروعاً في قطاعات خدمية وتنموية مختلفة.

إلا أن Press 365 لم يعثر، ضمن الإفصاحات العامة التي راجعها، على حساب ختامي موحد لحملة حماة يضع أمام الجمهور الرقم المعلن أولاً، والمبلغ المثبت بعد التدقيق، وما تم تحصيله نقداً، وقيمة المشاريع والمساهمات العينية المنفذة، وحجم الإنفاق والرصيد المتبقي.

ولا يعني غياب هذا الكشف في المصادر العامة أن الأموال لم تُصرف أو أن المشاريع لم تُنفذ، إذ توجد إعلانات رسمية عن أعمال مرتبطة بالحملة. لكنه يجعل من الصعب على المتبرع الانتقال من الرقم الإجمالي الذي شاهده عند إطلاق الحملة إلى حساب مالي متكامل يوضح الوضع الحالي لأمواله.

وتظهر المشكلة نفسها بدرجات مختلفة في الحملات الأخرى. فبعض المحافظات نشرت نسب التحصيل، وأخرى أعلنت قوائم مشاريع، فيما نشرت جهات بيانات عن التعهدات التي استكملت أو ما تزال قيد التنفيذ. لكن طريقة العرض تختلف من حملة إلى أخرى، ولا توجد حتى الآن صيغة موحدة تسمح للجمهور بمقارنة الرقم المعلن بالمبلغ الذي تم تحصيله والمبلغ الذي تم إنفاقه.

الحساب الذي ينتظره المتبرعون

تظهر مراجعة الأرقام أن وصف حصيلة الحملات السورية التي تجاوزت مليار دولار بأنها «مليار دولار جُمعت» لا يقدم صورة مالية دقيقة. فجزء من هذا الرقم كان أموالاً وصلت بالفعل، وجزء آخر تعهدات بالدفع، فيما مثلت مبالغ أخرى مشاريع مباشرة ومساهمات عينية ودعماً حكومياً.

وتكشف عمليات التدقيق اللاحقة أيضاً أن بعض التعهدات التي دخلت العدادات الأولى احتاجت إلى مراجعة أو متابعة، وأن بعض الحملات واصلت بعد أشهر التواصل مع أصحابها لاستكمالها. وفي حالات أخرى جرى تخفيض الحصيلة بعد اكتشاف أخطاء أو تعهدات غير مثبتة.

وفي المقابل، تثبت المشاريع المعلنة والإفصاحات المالية المتاحة أن جزءاً من الأموال والمساهمات تحول بالفعل إلى مدارس ومراكز صحية ومياه وبنى خدمية ومشاريع أخرى. لذلك لا توفر المعطيات المتاحة أساساً لاتهام إدارات الحملات بالاستيلاء على الفارق بين الأرقام المعلنة والمبالغ النقدية المحصلة، لأن قسماً كبيراً من ذلك الفارق لم يكن مالاً نقدياً موجوداً لديها منذ البداية.

المشكلة التي تبقى بعد تفكيك هذه الأرقام هي غياب الحساب الختامي الموحد والواضح في عدد من الحملات الكبرى.

فالمتبرع الذي دفع خمسين دولاراً أو مئة دولار، مثل رجل الأعمال الذي نفذ تعهده، يحتاج إلى معرفة الرقم النهائي للأموال التي استلمتها الحملة فعلياً، وقيمة ما نُفذ من المشاريع، والمبالغ المصروفة، والرصيد المتبقي. كما يحتاج الجمهور إلى معرفة حالة التعهدات الكبيرة التي ظهرت بأسماء أصحابها وقيمتها على الشاشات، وما إذا كانت قد نُفذت نقداً أو عيناً أو من خلال مشاريع مباشرة.

وبعد نحو عام على بداية موجة حملات التبرع، لم تعد الأرقام التي ظهرت في ليالي جمع الأموال كافية لتقييم التجربة. فالحساب الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الحملة، عندما يجري فصل التعهد عن التبرع، والنقد عن المشروع، والمبلغ المعلن عن المبلغ المستلم.

وما تكشفه البيانات المتاحة حتى الآن أن «مليار التبرعات» كان في حقيقته مجموعاً لأنواع مختلفة من الالتزامات والمساهمات، وليس مليار دولار نقداً دخل خزائن الحملات.

أما الأموال التي دفعها السوريون بالفعل، فتبقى مسؤولية الجهات التي تسلمتها أن تقدم عنها حساباً واضحاً ومحدثاً يبين ما دخل وما أُنفق وما بقي. وهذا هو الكشف الذي ما يزال المتبرعون ينتظرونه.