بعد أكثر من عام على كارثة معرة مصرين، التي خلص تحقيق وزارة الدفاع إلى أن «سوء تخزين الأسلحة والذخائر» تسبب بها، انفجر مخزن مؤقت لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب على أوتوستراد سرمدا، موقعاً 14 قتيلاً من عناصر الوزارة وأكثر من عشرة مصابين بينهم مدنيون. وزارة الدفاع أعلنت تحملها «المسؤولية الكاملة» عن الحادثة، فيما تكشف مصادر محلية لـPress 365 أن موقع برج النمرة معروف منذ سنوات كمركز لجمع السلاح والذخيرة. وبين الحادثتين، يتتبع Press 365 ما جرى لمواقع التخزين والتجميع القديمة، ومدى إبعادها عن المدنيين بعد أن أصبحت مخاطرها معروفة رسمياً.
في التاسع من أيلول/سبتمبر 2026، انفجر مخزن مؤقت مخصص لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب على أوتوستراد سرمدا في ريف إدلب الشمالي. وبعد ساعات من عمليات الإنقاذ وتأمين الذخائر غير المنفجرة، استقرت الحصيلة الرسمية المنشورة عند 14 قتيلاً و11 مصاباً في حصيلة وصفت بأنها غير نهائية. وأعلنت وزارة الدفاع لاحقاً أن القتلى الأربعة عشر من عناصرها، وأن بين المصابين مدنيين، مؤكدة استمرار التحقيق لمعرفة أسباب الانفجار وملابساته وتحملها «المسؤولية الكاملة عن هذه الحادثة».
وكانت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع قد حددت وظيفة المكان منذ الساعات الأولى للحادث، وقالت إنه مخزن مؤقت مخصص لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب قبل نقلها، وأكدت إصابة عاملين تابعين للوزارة. وتولت فرق الدفاع المدني تأمين الذخائر غير المنفجرة ومنع وقوع انفجارات إضافية في الموقع.
سبب الانفجار ما زال قيد التحقيق، لكن تاريخ الموقع ووظيفته يضعان الكارثة ضمن ملف أقدم من يوم الانفجار. فمصادر محلية من منطقة سرمدا تحدثت إلى Press 365 وتعرف الموقع منذ سنوات تقول إن المنشأة في منطقة برج النمرة كانت تستخدم خلال المرحلة السابقة في جمع وشراء الأسلحة والذخائر والألغام من مقاتلين وأفراد، خلال فترة سيطرة هيئة تحرير الشام على المنطقة، واستمرت فيها وظيفة مرتبطة بجمع السلاح بعد إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية وانتقال إدارة الملف إلى وزارة الدفاع.
ويتقاطع الجزء المتعلق بوظيفة الموقع الحالية مع الرواية الرسمية التي تصفه اليوم كمخزن مؤقت لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب قبل نقلها. أما تاريخ المنشأة السابق، فتستند فيه Press 365 إلى المصادر المحلية التي تعرف المكان ونشاطه منذ سنوات.
انتقال منظومة السلاح إلى مؤسسات الدولة شمل بنية واسعة من المستودعات والمقار ونقاط التجميع ووسائل النقل. ومع هذا الانتقال أصبحت المواقع المستخدمة ضمن مسؤولية المؤسسة الجديدة، بما يشمل تقييم صلاحيتها للاستمرار، وطبيعة محيطها، والكميات التي يمكن أن تستقبلها، وشروط تخزين المواد الخطرة داخلها، والمسافة التي تفصلها عن السكان والمنشآت المدنية.
وتكتسب هذه المسألة وزناً أكبر لأن انفجار سرمدا لم يقع قبل معرفة مخاطر هذا النوع من المواقع. قبل أكثر من عام، شهدت المحافظة كارثة أخرى انتهت بتحقيق رسمي حدد الخلل بوضوح، وأعقبها إعلان حكومي عن العمل لإبعاد المدنيين عن أماكن وجود الأسلحة والذخائر.
معرة مصرين.. الخطر أصبح معروفاً
في 24 تموز/يوليو 2025 انفجر مستودع ذخيرة في منطقة معرة مصرين شمالي إدلب، مخلفاً عدداً كبيراً من الضحايا والمصابين. وبعد نحو شهرين، أعلنت وزارة الدفاع نتيجة التحقيق الرسمي وحددت «سوء تخزين الأسلحة والذخائر» سبباً للانفجار، وقالت إن الكارثة أودت بحياة 11 شخصاً، فيما تجاوزت التعويضات التي التزمت بها للضحايا والمتضررين مليون دولار. وأكدت الوزارة آنذاك أن الملف أصبح على رأس أولوياتها من حيث المتابعة والانتهاء من أخطاره.
وفي أعقاب انفجار معرة مصرين، قال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح إن الوزارة تعمل بالتنسيق مع الوزارات المعنية للتأكد من خلو محيط أماكن الأسلحة من المدنيين. وتحدث عن صعوبة حصر المواقع والمستودعات في ظل وجود مدنيين يعملون بجمع الذخائر ومخلفات الحرب، وعن جهود لمنع تخزين المواد المتفجرة في المناطق المدنية.
وكانت إدلب قد شهدت قبل معرة مصرين حوادث أخرى مرتبطة بالذخيرة. ففي الثاني من تموز/يوليو 2025 وقعت انفجارات في موقع عسكري قرب كفريا والفوعة، وأرجع المكتب الإعلامي لوزارة الدفاع السبب حينها إلى ارتفاع درجات الحرارة. وسجلت المنطقة لاحقاً انفجاراً آخر في مستودع يحتوي ألغاماً وصواريخ من مخلفات الحرب شمال الفوعة.
وبذلك أصبحت عناصر الخطر معروفة لدى الجهات المسؤولة منذ صيف 2025: مواقع لتخزين الأسلحة والذخائر، عمليات لجمع مخلفات الحرب، صعوبة في حصر بعض الأماكن، وحاجة معلنة إلى إبعاد المدنيين عن محيطها. كما أعلنت وزارة الداخلية عقب كارثة معرة مصرين فتح تحقيق عاجل والتزامها باتخاذ إجراءات لتفادي تكرار حوادث مماثلة.
وبمراجعة البيانات الرسمية والمواد العامة المنشورة المتعلقة بالملف، لم يعثر Press 365 على حصيلة منشورة توضح عدد المستودعات ونقاط التجميع التي خضعت لتقييم شامل بعد معرة مصرين، أو عدد المواقع التي نُقلت أو أُغلقت، أو المعايير العامة للمسافة الآمنة بينها وبين المنازل والمخيمات والمنشآت التجارية والطرق.
هذه البيانات تحدد مقدار التغيير الذي طرأ فعلياً على جغرافيا تخزين وجمع الذخيرة بعد كارثة ثبت رسمياً ارتباطها بسوء التخزين، وتوضح الإجراءات التي اتخذت لمنع وصول آثار حوادث مشابهة إلى المدنيين.
المستودع الذي بقي في مكانه
تضع المصادر المحلية التي تحدثت إلى Press 365 موقع برج النمرة ضمن بنية أقدم لجمع السلاح في المنطقة. وبحسب المصادر، كان المكان معروفاً منذ سنوات باستقبال وشراء الأسلحة والذخائر والألغام، قبل تشكيل وزارة الدفاع بصورتها الحالية، ثم استمرت فيه وظيفة التجميع بعد انتقال إدارة الملف إلى المؤسسة العسكرية الجديدة.
وتمنح استمرارية الوظيفة تاريخ الموقع أهمية تتجاوز الجهة التي أنشأته في الأصل. فانتقال منشأة تستخدم في التعامل مع الأسلحة والذخائر إلى مؤسسة حكومية ينقل معها مسؤولية تقييم صلاحيتها ومحيطها، وتحديد طبيعة المواد التي يمكن استقبالها والكميات وفترات بقائها وشروط تخزينها وخطط الطوارئ المرتبطة بها.
وفي برج النمرة تؤكد وزارة الدفاع أن الموقع كان يوم الانفجار يؤدي وظيفة محددة: جمع الأسلحة ومخلفات الحرب قبل نقلها. وأظهرت نتائج الانفجار أن الخطر تجاوز حدود المخزن نفسه، إذ اضطرت فرق الطوارئ إلى تأمين ذخائر غير منفجرة والحيلولة دون وقوع انفجارات إضافية، فيما أكدت الحصيلة الرسمية وجود مدنيين بين المصابين.
وتكتسب إعادة تقييم الموقع أهمية خاصة بالنظر إلى ما سبق انفجاره. فبعد معرة مصرين، كانت وزارة الدفاع قد أعلنت أن سوء التخزين أدى إلى مقتل 11 شخصاً، وأن إنهاء أخطار الملف أولوية، بينما أعلنت وزارة الطوارئ العمل على إبعاد المدنيين عن محيط أماكن الأسلحة.
ولم يعثر Press 365 في السجل الرسمي المتاح للعامة على تقرير منشور يوضح تاريخ اعتماد موقع برج النمرة ضمن منظومة جمع الأسلحة الحالية، أو نتيجة تقييم السلامة الخاص به، أو المعايير المتعلقة بمحيطه، أو ما إذا كان الموقع قد خضع لمراجعة بعد كارثة معرة مصرين.
وتصبح هذه السجلات أكثر أهمية بعد إعلان وزارة الدفاع تحملها المسؤولية الكاملة عن حادثة سرمدا. فالتحقيق الفني سيحدد سبب الانفجار وملابساته، بينما تستطيع سجلات الجرد والتفتيش وإعادة اعتماد المواقع توضيح القرارات التي سبقت الحادث: حالة الموقع، وطبيعة المواد الموجودة فيه، وشروط التخزين، ومدى ملاءمة محيطه لوظيفته.
استمر موقع معروف محلياً منذ سنوات في أداء وظيفة مرتبطة بجمع السلاح بعد انتقال الملف إلى مؤسسات الدولة، ثم انفجر بعد أكثر من عام على كارثة أقرت فيها المؤسسة نفسها بأن سوء تخزين الأسلحة والذخائر كان سبباً مباشراً لسقوط الضحايا.
من معرة مصرين إلى سرمدا
الفترة الفاصلة بين الكارثتين تضع ملف المستودعات أمام معيار مختلف عن الاستجابة للحوادث بعد وقوعها. ففي معرة مصرين أُجري تحقيق، وحُدد السبب، ودُفعت تعويضات، وأعلنت معالجة الأخطار أولوية. وفي سرمدا عادت فرق الطوارئ إلى التعامل مع الحرائق والذخائر غير المنفجرة والضحايا، فيما فتحت وزارة الدفاع تحقيقاً جديداً وأعلنت هذه المرة تحملها المسؤولية الكاملة عن الحادثة.
وتواجه المؤسسات السورية في هذا الملف إرثاً واسعاً من الأسلحة والذخائر والألغام ومخلفات الحرب المنتشرة خلال سنوات الثورة والصراع. ويحتاج التعامل معها إلى عمليات جمع وفرز وتخزين ونقل وإتلاف، وهي عملية تحمل مخاطر في كل مرحلة، من الموقع الذي تستقبل فيه المواد إلى المركبة التي تنقلها والمكان النهائي الذي تخزن أو تتلف فيه.
وتشير تصريحات رائد الصالح في تموز/يوليو 2025 إلى أن العلاقة بين جمع الذخائر ومواقع تخزينها ومحيطها المدني كانت معروفة بالفعل. فقد ربط الوزير صعوبة حصر بعض المستودعات بوجود نشاط لجمع الذخائر ومخلفات الحرب، في الوقت الذي أكد فيه العمل على منع وجود المدنيين حول أماكن الأسلحة.
وبعد أكثر من عام، تصف وزارة الدفاع موقع سرمدا نفسه بأنه مكان مخصص لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب قبل نقلها. وهذا التقاطع بين الخطر الذي وصفته الحكومة في 2025 والوظيفة التي كان يؤديها الموقع الذي انفجر في 2026 يجعل تقييم نقاط التجميع جزءاً أساسياً من ملف السلامة، إلى جانب شروط التخزين داخل المستودعات.
وتستطيع السجلات المؤسسية توضيح الجزء الذي ما زال غائباً عن الصورة العامة: المواقع القديمة التي استلمتها المؤسسة العسكرية الجديدة، والمواقع التي أعيد تقييمها، وتلك التي نُقلت أو أُغلقت، والمعايير التي سمحت باستمرار مواقع أخرى في الخدمة، إضافة إلى شروط إنشاء وتشغيل نقاط التجميع المؤقتة.
أما في سرمدا، فيكتسب سجل اعتماد موقع برج النمرة وتقييم السلامة الخاص به أهمية مباشرة. فهو الذي يمكن أن يوضح حالة المنشأة عند اعتمادها، وطبيعة محيطها، والكميات والمواد المسموح بجمعها فيها، والإجراءات التي اتخذت بعد الدروس التي أعلنتها الجهات الرسمية إثر كارثة معرة مصرين.
وزارة الدفاع تحملت المسؤولية الكاملة عن حادثة سرمدا، فيما بقي تحديد السبب الفني رهناً بالتحقيق الجاري. لكن المسؤولية المؤسسية التي يفتحها الحادث تمتد إلى المرحلة السابقة للانفجار أيضاً، حيث اختيار الموقع وتقييمه وإدارته ومراقبته.
في معرة مصرين، أصبح خطر سوء تخزين الذخيرة معروفاً رسمياً. وفي سرمدا، انفجر بعد أكثر من عام مخزن مخصص لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب، وسقط 14 من عناصر وزارة الدفاع وأصيب آخرون بينهم مدنيون، قبل أن تعلن الوزارة تحملها المسؤولية الكاملة.
انتقلت ترسانة الحرب إلى مؤسسات الدولة، وانتقلت معها مسؤولية جغرافيتها. وبعد معرة مصرين وسرمدا، أصبحت معرفة المواقع التي جرى تقييمها أو نقلها، والمعايير التي تحكم المستودعات ونقاط التجميع، جزءاً من حماية المدنيين ومنع الكارثة التالية.
ملاحظة تحريرية: اعتمد Press 365 في المعلومات المتعلقة بتاريخ موقع برج النمرة ووظيفته السابقة على مصادر محلية من المنطقة تعرف الموقع منذ سنوات. ويستند وصف وظيفته الحالية وحصيلة الضحايا وتحمل المسؤولية إلى البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع والجهات الحكومية. كما راجع Press 365 البيانات والتغطيات المنشورة المتعلقة بحوادث مستودعات الذخيرة في إدلب، مع الفصل بين المعلومات الرسمية والروايات المحلية والوقائع التي ما تزال قيد التحقيق.