دعوة أممية لمراجعة تشريعات ارتبطت بنزع الملكيات والتهجير في عهد النظام السابق، بينما تستمر آثارها في ملفات التنظيم العقاري وإعادة الإعمار، وسط مطالب بحسم حقوق المالكين واللاجئين والنازحين قبل إعادة رسم المدن السورية.
دعا ثلاثة خبراء مستقلين تابعين للأمم المتحدة الحكومة السورية إلى تعليق تطبيق القوانين التي قالوا إنها أدت إلى عمليات ممنهجة لنزع الملكية والتهجير خلال عهد النظام السابق، وفي مقدمتها المرسوم رقم 66 لعام 2012 والقانون رقم 10 لعام 2018، مطالبين بفتح مسار داخل مجلس الشعب لمراجعة هذه التشريعات واستبدالها بقوانين جديدة.
وقال الخبراء، في بيان صدر في 2 أيلول/سبتمبر، إن المرسوم 66 والقانون 10 منحا امتيازات لمصالح فئة ثرية من أصحاب العقارات على حساب الحقوق السكنية للأسر ذات الدخل المتوسط والمحدود، وأسهما، وفق تقييمهم، في تهجير واسع ونزع ملكيات آلاف الأسر لصالح نخبة تتمتع بالامتيازات.
وتكتسب الدعوة أهمية تتجاوز مراجعة تشريعات صدرت في عهد بشار الأسد، إذ تأتي في وقت تدخل فيه سوريا مرحلة إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات، بينما لا تزال قضايا الملكية والسكن البديل والتعويض وإثبات الحقوق عالقة بالنسبة إلى أعداد كبيرة من السوريين داخل البلاد وخارجها.
كما تفتح الدعوة ملف الوضع القانوني للتشريعات الموروثة عن النظام السابق، ولا سيما أن الإعلان الدستوري لعام 2025 نص على إلغاء القوانين الاستثنائية التي أضرت بالشعب السوري وتتعارض مع حقوق الإنسان، في حين قال الخبراء إن الحكومة لم تقدم حتى الآن قائمة شاملة تحدد القوانين التي يشملها هذا الإلغاء.
المرسوم 66 والقانون 10
صدر المرسوم 66 عام 2012، وأُنشئت بموجبه منطقتان تنظيميتان في دمشق ارتبطتا لاحقاً بمشروعي ماروتا سيتي وباسيليا سيتي، فيما صدر القانون رقم 10 عام 2018 وأتاح إنشاء مناطق تنظيمية في أنحاء البلاد.
وأثارت هذه التشريعات خلال السنوات الماضية اعتراضات واسعة مرتبطة بحقوق السكان والمالكين، خصوصاً مع وجود ملايين السوريين خارج مناطقهم الأصلية نتيجة النزوح واللجوء، وفقدان بعضهم وثائق الملكية أو تعذر وصولهم إلى السجلات والمؤسسات المعنية.
وتقول محافظة دمشق إن المرسوم 66 ذو طبيعة تنظيمية وليس قانون استملاك، وإن حقوق أصحاب العقارات تحولت إلى أسهم ضمن المنطقة التنظيمية، إلى جانب السكن البديل والتعويضات للمستحقين. وفي المقابل، يرى الخبراء الأمميون أن آثار التشريعات تجاوزت التنظيم العمراني وأدت عملياً إلى نزع ملكيات وتهجير أسر لمصلحة أصحاب مصالح عقارية أكثر نفوذاً.
وبعد سقوط النظام، بدأت السلطات السورية مراجعة عدد من النتائج التي خلفها تطبيق المرسوم.
ففي أيار/مايو 2026، أعلنت محافظة دمشق تلقي 1606 طلبات تظلم من متضررين، قالت إن 1122 منها عولجت، فيما بقيت الطلبات الأخرى قيد الدراسة. كما أعلنت زيادة بنسبة 13.9 في المئة في المساحات الطابقية المخصصة لبعض المالكين الأصليين تعويضاً عن التأخير السابق، ورفع بدلات إيجار السكن البديل إلى 35 ضعف قيمتها السابقة، إلى جانب تمويل بناء 54 برجاً للسكن البديل خلال ثلاث سنوات.
هذه الإجراءات تشير إلى وجود مسار رسمي لمعالجة جانب من المظالم التي خلفتها المرحلة السابقة، لكنها لا تحسم المسألة التي أثارها الخبراء الأمميون حول مصير التشريعات نفسها.
فالخلاف لم يعد محصوراً بكيفية تعويض المتضررين من تطبيق المرسوم 66، وإنما امتد إلى السؤال عن استمرار صلاحية الإطار القانوني الذي أنتج هذه المشروعات والحقوق المتنازع عليها.
ماذا تغير بعد سقوط النظام؟
يضع الإعلان الدستوري لعام 2025 أساساً قانونياً مهماً لهذا النقاش.
فبحسب البيان الأممي، تحمي المواد 13 و14 و20 الملكية والحياة الخاصة والأسرية، فيما لا يتضمن الإعلان نصاً صريحاً يكرس الحق في السكن اللائق.
أما المادة 48، فتنص على اعتبار جميع القوانين الاستثنائية التي أضرت بالشعب السوري وتتعارض مع حقوق الإنسان ملغاة.
غير أن الخبراء توقفوا عند نقطة أساسية: عدم وجود قائمة شاملة معلنة تحدد التشريعات التي تعتبرها السلطات داخلة ضمن هذا النص.
وبناء على ذلك، قال الخبراء إنهم لا يستطيعون في الوقت الراهن سوى استنتاج أن التشريعات السابقة ما تزال نافذة، وطالبوا مجلس الشعب بمراجعتها واستبدالها ضمن مسار تشريعي واضح.
وتظهر هنا فجوة بين معالجة آثار التشريعات وحسم مصيرها القانوني.
فالسلطات السورية بدأت مراجعة حقوق بعض المتضررين وتسوية ملفات السكن البديل والتعويضات، فيما تطالب الدعوة الأممية بخطوة أوسع تشمل مراجعة القوانين التي أُنشئت على أساسها تلك المناطق التنظيمية.
ويحمل هذا التمييز أهمية خاصة بالنسبة إلى مشروعات مثل ماروتا وباسيليا، لأن أي معالجة نهائية للملكية تحتاج إلى تحديد الأساس القانوني الذي ستستند إليه الدولة في تثبيت الحقوق واستكمال التنظيم والتصرف بالأراضي مستقبلاً.
الملكية وإعادة الإعمار
يتجاوز الملف حدود دمشق.
فبعد سنوات الحرب والنزوح، تواجه سوريا واحدة من أعقد قضايا السكن والأرض والملكية، تشمل لاجئين ونازحين وأسر مفقودين ومعتقلين وورثة لأصحاب عقارات، إضافة إلى أشخاص فقدوا وثائقهم أو تعذر عليهم الوصول إلى السجلات الرسمية.
ويرى الخبراء أن معالجة هذه الحقوق يجب أن تكون جزءاً من مسار العدالة الانتقالية، وحذروا من أن خطط إعادة التطوير تواجه تأخيرات إدارية ومالية، ولا تعالج بصورة كافية الحرمان الذي يواجهه النازحون واللاجئون وأسر المفقودين والمعتقلين.
وتزداد حساسية القضية مع انتقال سوريا إلى مرحلة إعادة الإعمار.
فدخول رؤوس الأموال إلى مناطق مدمرة أو أعيد تنظيمها سيؤدي إلى ارتفاع قيمة الأراضي، ما يجعل حسم الملكيات والتعويضات وإثبات الحقوق مسألة تسبق الاستثمار، خصوصاً عندما يكون أصحاب العقارات خارج البلاد أو غير قادرين على متابعة الإجراءات بأنفسهم.
وبحسب معطيات أوردها تقرير حديث حول ملف الملكية، يحتاج أكثر من أربعة ملايين سوري إلى دعم مرتبط بحقوق السكن والأرض والملكية، فيما لا يزال فقدان الوثائق والنزاعات على الملكية وإشغال المنازل من أبرز العوائق أمام عودة قسم من اللاجئين والنازحين.
وهنا تظهر أهمية الدعوة الأممية في توقيتها. فالقضية لم تعد تتعلق فقط باستعادة حقوق انتُهكت خلال عهد النظام السابق، وإنما بالقواعد التي ستعتمدها الدولة السورية في إعادة تنظيم المدن ومنح الاستثمارات وتحديد حقوق أصحاب الأراضي خلال المرحلة المقبلة.
ويرى الخبراء أن الدستور السوري المستقبلي يجب أن ينص صراحة على الحق في السكن اللائق ويحميه وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان، مؤكدين أن التشريعات التي ارتبطت بنزع الملكية والتهجير لا ينبغي أن تشكل أساساً لعملية إعادة بناء البلاد.
ويضع هذا الموقف ملف المرسوم 66 والقانون 10 أمام استحقاق تشريعي جديد. فالسلطة الحالية لم تصدر هذين التشريعين، وبدأت بالفعل معالجة عدد من النتائج التي خلفها تطبيقهما، لكن تحديد استمرار العمل بهما أو تعديلهما أو إلغائهما أصبح اليوم من مسؤولية المؤسسات الجديدة.
وبين مطالب المتضررين، والمراجعات التي بدأت بعد سقوط النظام، والحاجة إلى جذب استثمارات لإعادة الإعمار، يبقى حسم حقوق الملكية واحداً من الملفات التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.
فالاختبار لن يقتصر على إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما سيشمل أيضاً تحديد من يملك الأرض التي سيجري البناء فوقها، وكيف ستُعاد الحقوق إلى أصحابها قبل أن تتحول مشاريع إعادة الإعمار إلى واقع يصعب تغييره لاحقاً.
الخبراء الموقعون على الموقف هم كولدو كاسلا، المقرر الخاص المعني بالحق في السكن اللائق، وباولا غافيريا، المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان للنازحين داخلياً، وبرنار دوهايم، المقرر الخاص المعني بالحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار. وهم خبراء مستقلون ضمن الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان، وتصدر مواقفهم بصفتهم الفردية ولا تمثل بالضرورة موقف الأمم المتحدة أو مفوضية حقوق الإنسان.