لم تعد خريطة الانقسام الداخلي في سوريا كما كانت قبل أشهر. ففي الشمال الشرقي، انتهت «قوات سوريا الديمقراطية» كقوة عسكرية مستقلة، وانتقلت مؤسساتها وقواتها تدريجياً إلى إطار الدولة، فيما انتقل قائدها مظلوم عبدي من قيادة تشكيل عسكري امتلك نفوذاً واسعاً على الأرض إلى موقع مستشار للرئيس أحمد الشرع. أما في الجنوب، فتبدو الصورة معاكسة؛ إذ لا تزال السويداء تحتفظ بخصوصيتها الأمنية والسياسية، وتبقى العلاقة بين دمشق والقوى المحلية فيها واحدة من أعقد ملفات توحيد مؤسسات الدولة السورية.
المفارقة تستحق التوقف عندها. فدمشق استطاعت، بعد سنوات من الخصومة والصدام والتفاوض، الوصول إلى صيغة أنهت عملياً الاستقلال العسكري لقسد، رغم أن الأخيرة كانت تملك عشرات الآلاف من المقاتلين، وتسيطر سابقاً على مساحات واسعة تضم حقول نفط وغاز ومعابر حدودية، وتحظى بعلاقة وثيقة مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، لم تنجح حتى الآن في إنتاج تسوية مستقرة في محافظة أصغر مساحة وأقل وزناً عسكرياً واقتصادياً، لكنها تقع في واحدة من أكثر مناطق سوريا حساسية بسبب موقعها الجغرافي وقربها من إسرائيل والأردن.
فلماذا أمكن تفكيك العقدة الكردية عسكرياً ومؤسساتياً، بينما بقيت عقدة السويداء مفتوحة؟
قسد.. تسوية جاءت بعد تغير ميزان القوة
لم يكن اندماج قسد نتيجة تفاهم سياسي مفاجئ. الاتفاق الأول مع دمشق تعثر طويلاً، وبقيت قضايا الجيش والإدارة الذاتية والنفط والمعابر وشكل الدولة موضع خلاف، إلى أن غيّرت مواجهات كانون الثاني/يناير 2026 ميزان القوى على الأرض.
الاتفاق الذي أُعلن في 18 كانون الثاني نص على تسليم الرقة ودير الزور إدارياً وعسكرياً للدولة، ودمج مؤسسات الحسكة ضمن مؤسساتها، ووضع المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز تحت إدارة الحكومة، إضافة إلى دمج العناصر العسكرية والأمنية التابعة لقسد في وزارتي الدفاع والداخلية.
وبحلول 25 آب/أغسطس، أعلن مظلوم عبدي رسمياً انتهاء مهمة قسد وحلها كقوة عسكرية مستقلة بعد استكمال عملية دمج قواتها. وبعد ثلاثة أيام فقط، عيّن الشرع عبدي مستشاراً رئاسياً، في خطوة حملت دلالة تتجاوز المنصب نفسه: دمشق لم تكتفِ بتفكيك المؤسسة العسكرية الموازية، بل استوعبت جزءاً من قيادتها داخل بنية الدولة الجديدة.
لكن ذلك لا يعني انتهاء المسألة الكردية. فالحقوق الدستورية، وموقع اللغة الكردية، ونظام التعليم، والتمثيل السياسي، وتوزيع السلطات بين المركز والمحافظات ما تزال ملفات مطروحة. ويشير تقرير حديث لمكتبة مجلس العموم البريطاني إلى أن الاندماج العسكري والإداري تقدم بدرجة كبيرة، بينما انتقل التركيز الكردي إلى تثبيت الحقوق ضمن النظام السياسي والدستور.
وهنا يكمن أحد مفاتيح نجاح نموذج الشرق حتى الآن: جرى فصل السلاح عن جزء من المطالب السياسية. قبلت دمشق استيعاب مقاتلين وقيادات سابقة، وفتحت المجال أمام حقوق لغوية وتمثيل سياسي، مقابل إنهاء وجود جيش وإدارة مستقلين عن المركز.
لماذا تختلف السويداء؟
في السويداء، لم تتشكل حتى الآن معادلة مماثلة. المحافظة تضم قوى وفصائل محلية متعددة، ولا يوجد طرف واحد قادر على تقديم نفسه باعتباره النظير المباشر لقسد والتوقيع باسم جميع القوى الموجودة على الأرض. كما أن أحداث السنوات الماضية، ولا سيما العنف الواسع الذي شهدته المحافظة في 2025، عمّقت أزمة الثقة بين قطاعات من المجتمع المحلي والسلطة المركزية.
وهذا فارق أساسي. ففي الشرق كان هناك طرف عسكري وسياسي واضح يمكن لدمشق أن تفاوضه وتضغط عليه وتوقع معه اتفاقاً محدداً. أما السويداء فتجمع بين مرجعيات دينية، وفصائل مسلحة، وقوى اجتماعية وسياسية تختلف في مواقفها من دمشق ومن مستقبل المحافظة نفسها.
التطورات الأخيرة تؤكد أن الأزمة لم تُغلق. فقد شهدت أطراف المحافظة في بداية أيلول اشتباكات جديدة أدت، وفق الرواية الحكومية، إلى إصابة عشرة عناصر من الأمن الداخلي، فيما أدى القتال إلى تجدد المخاوف من عودة المواجهات الأوسع. ولذلك فإن المشكلة لم تعد مجرد خلاف على ترتيبات أمنية محلية، بل أصبحت سؤالاً عن شكل العلاقة التي تستطيع دمشق إقامتها مع المحافظة.
إسرائيل تغيّر قواعد اللعبة
لكن الفارق الأكبر بين الشرق والجنوب قد يكون العامل الخارجي.
قسد امتلكت علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، بينما كانت تركيا تضغط لإنهاء بنيتها العسكرية المستقلة. وعندما تغيرت الحسابات الدولية وموازين القوى الميدانية، أصبحت التسوية مع دمشق خياراً أقل كلفة من استمرار المواجهة. وحتى تركيا، التي عارضت قسد لسنوات، رحبت بحلها.
في السويداء، تظهر إسرائيل في المعادلة بطريقة مختلفة. وقد زادت تصريحات الشيخ حكمت الهجري الأخيرة من حساسية الملف بعدما وصف الدروز بأنهم جزء من إسرائيل وأشاد بالدولة الإسرائيلية، وهي تصريحات أثارت في المقابل اعتراضات داخل البيئة السورية والدرزية نفسها.
ولا يعني ذلك أن السويداء كتلة واحدة مؤيدة لهذا التوجه؛ بل إن تعدد المواقف داخل المحافظة أحد أسباب تعقيد الملف أصلاً. لكن وجود إسرائيل كفاعل قادر على التدخل عسكرياً في الجنوب يرفع تكلفة أي محاولة لحسم المشكلة بالقوة، ويمنح الأزمة بعداً إقليمياً لا يمكن اختزاله بخلاف بين الحكومة وفصائل محلية.
وهنا تختلف السويداء جذرياً عن الحسكة والرقة. في الشرق كان الضغط الإقليمي، وخصوصاً التركي، يدفع باتجاه إنهاء الكيان العسكري المستقل ودمجه بالدولة. أما في الجنوب، فقد يؤدي العامل الإسرائيلي إلى نتيجة معاكسة عبر الحد من قدرة دمشق على استخدام القوة وتوفير هامش مناورة أكبر لبعض القوى المحلية.
هل يصلح نموذج قسد للسويداء؟
من الناحية النظرية، يمكن استخراج عناصر من تجربة الشرق: حصر السلاح الثقيل بيد الدولة، دمج العناصر المحلية في مؤسسات الجيش والداخلية، منح أبناء المحافظة دوراً في إدارة شؤونهم المحلية، وضمان حقوقهم السياسية والدينية ضمن مؤسسات الدولة.
لكن نقل النموذج حرفياً يبدو صعباً. فقسد دخلت التسوية بعد خسارتها جزءاً كبيراً من عناصر القوة التي كانت تملكها، بينما لم تصل القوى الموجودة في السويداء إلى لحظة سياسية مماثلة. والأهم أن التسوية الكردية نفسها لم تُختبر بعد بما يكفي للحكم على نجاحها النهائي؛ إذ حذرت تحليلات دولية من أن الاتفاق قد يكون أجّل بعض الخلافات حول توزيع السلطة والموارد بدلاً من حلها نهائياً.
لذلك، فإن ما حدث في الشرق لا يقدم لدمشق وصفة جاهزة بقدر ما يقدم قاعدة واحدة واضحة: إعادة بناء الدولة لا تتحقق بمجرد استعادة الأرض، وإنما بتحويل القوى التي نشأت خارج مؤسساتها إلى أطراف تجد مصلحة في العمل داخلها.
وهذا تحديداً ما لم يتحقق في السويداء حتى الآن.
العقدة الأخيرة ليست عسكرية فقط
بعد حل قسد، أصبحت الدولة السورية أقرب مما كانت عليه منذ سنوات إلى احتكار المؤسسات العسكرية والإدارية الرئيسية على معظم أراضي البلاد. لكن السويداء تكشف حدود هذا التقدم؛ فالمشكلة هناك ليست عدد المقاتلين أو حجم المحافظة، وإنما أزمة الثقة، وتعدد القوى المحلية، وإرث الدم، وشكل الدولة، وفوق ذلك كله موقع الجنوب داخل الصراع السوري الإسرائيلي.
لهذا قد يكون السؤال الذي تواجهه دمشق بعد قسد أكثر صعوبة مما يبدو: هل تستطيع تكرار سياسة الاستيعاب في الجنوب، أم أن السويداء ستحتاج إلى نموذج مختلف تماماً؟
نجاح الدولة في الشرق أنهى إلى حد بعيد معركة من يملك السلاح والأرض، لكنه لم يحسم بعد كل أسئلة السياسة والهوية. وفي السويداء، لم تصل الأطراف حتى إلى هذه المرحلة. وبين الحالتين يتحدد أحد أهم اختبارات المرحلة السورية المقبلة: هل تستطيع دمشق بناء دولة موحدة عبر التسويات والضمانات، أم أن توحيد الخريطة سيبقى أسرع من توحيد السوريين داخلها؟