عاجل
آخر تحديث 17:50

المحروقات تشعل الشارع في مدن سورية.. احتجاجات وقطع طرق رفضاً لزيادة الأسعار

خلال ساعات من دخول التسعيرة الجديدة حيز التنفيذ، امتدت الاحتجاجات وقطع الطرق من الحسكة والرقة ودير الزور إلى إدلب وريف […]

المحروقات تشعل الشارع في مدن سورية.. احتجاجات وقطع طرق رفضاً لزيادة الأسعار
أدوات القراءة
حجم الخط

خلال ساعات من دخول التسعيرة الجديدة حيز التنفيذ، امتدت الاحتجاجات وقطع الطرق من الحسكة والرقة ودير الزور إلى إدلب وريف حلب، فيما تكشف شهادات خاصة حصل عليها Press 365 وتتبع للبيانات الرسمية أن زيادة المازوت بنسبة 40% وصلت إلى قطاعي النقل والزراعة في توقيت يعاني فيه مزارعون من ارتفاع تكاليف الإنتاج وتأخر استكمال مستحقات محاصيل سابقة.

تحولت الزيادة الجديدة في أسعار المحروقات في سوريا، الأحد 13 أيلول/سبتمبر، خلال ساعات قليلة من قرار اقتصادي إلى موجة احتجاجات اتسعت على رقعة جغرافية متعددة المحافظات، بدأت بصورة لافتة في الرقة والحسكة ودير الزور، قبل أن تصل التحركات إلى إدلب وريف حلب، وسط قطع للطرق وإشعال للإطارات وإضرابات لسائقي وسائل نقل واعتراضات على الكلفة الجديدة للوقود وما يمكن أن تتركه من أثر مباشر على النقل والزراعة وأسعار السلع والخدمات.

وفي المنطقة الشرقية، سجلت تحركات في عدد من المدن والبلدات والطرق الرئيسية، بينها مناطق في أرياف الرقة والحسكة ودير الزور، وأظهرت صور ومقاطع متداولة من المنطقة إغلاق طرق ومنع مرور صهاريج نفط في بعض النقاط. كما شهدت الطبقة إضراباً لسائقي السرافيس، فيما اتسعت التحركات لاحقاً باتجاه الشمال والشمال الغربي، ووصلت إلى إدلب وريف حلب، وسُجل قطع للطريق الدولي حلب–دمشق قرب معرة النعمان، في مؤشر على انتقال الاعتراض من نطاقه الشرقي إلى مناطق تختلف في بنيتها الاقتصادية وظروفها المحلية.

وجاءت التحركات بعد دخول تسعيرة جديدة حيز التنفيذ رفعت سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية جديدة، بزيادة تبلغ 40%، إلى جانب زيادات طالت البنزين والغاز المنزلي. وأرجعت وزارة الطاقة القرار إلى الارتفاع الاستثنائي في كلفة تأمين المشتقات النفطية من الخارج واضطرابات أسواق الطاقة والنقل والشحن والتأمين، بالتزامن مع دخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة تستمر نحو شهرين، مؤكدة أن تعديل الأسعار مؤقت ويرتبط بالظروف الحالية للإمداد والاستيراد.

غير أن خريطة الاحتجاجات التي تشكلت خلال الساعات الأولى، والشهادات التي حصل عليها Press 365 من المنطقة الشرقية، تضع القرار في سياق اقتصادي أوسع من كلفة استيراد الوقود وحدها. فالمازوت يمثل مدخلاً رئيسياً في تشغيل وسائل النقل والشاحنات والجرارات والآبار ومضخات الري والآليات الزراعية، وهو ما يجعل الزيادة تنتقل عبر أكثر من حلقة اقتصادية، بدءاً من أجرة النقل والعمل الزراعي، وصولاً إلى كلفة نقل المحاصيل والبضائع وأسعارها في الأسواق.

وتحدثت مصادر محلية في المنطقة الشرقية مباشرة إلى Press 365 عن مخاوف من ظهور هذه السلسلة سريعاً. وقال أحد المصادر: «نحن أهل الجزيرة من أكثر المتضررين من هذا الارتفاع. مئات الجرارات ستتوقف، وستزيد أجرة أعمال الفلاحة أضعافاً. أغلب المزارعين سيمتنعون عن الزراعة». ويعكس هذا الكلام حجم القلق لدى العاملين في القطاع الزراعي، فيما تبقى تقديرات توقف الجرارات أو تراجع الزراعة توقعات ميدانية مبكرة يتوقف تحققها على مدة استمرار الأسعار الجديدة وكلفة التشغيل والإجراءات التي قد تتخذها الحكومة تجاه القطاع.

وقال مصدر محلي آخر لـPress 365 إن «الزراعة ستتوقف بشكل شبه كامل إذا لم يحصل دعم للمحروقات وتخفيض لسعرها»، مشيراً إلى أن موسم القطن يقترب، وأن مزارعين ما يزالون ينتظرون استكمال أثمان القمح والشعير الذي جرى تسليمه خلال الموسم السابق. وفي شهادات أخرى وصلت إلى Press 365، تركزت المخاوف على انتقال زيادة الوقود إلى أجور النقل والخبز والخضراوات، وهي قطاعات يدخل الوقود في مراحل متعددة من إنتاجها أو نقلها إلى المستهلك.

من سعر المازوت إلى كلفة الإنتاج

تكتسب هذه الشهادات أهمية إضافية عند مقارنتها بالبيانات المنشورة خلال الأسابيع السابقة للقرار. ففي الحسكة، كانت عمليات صرف مستحقات القمح ما تزال مستمرة قبل أسبوع واحد من زيادة أسعار المحروقات، فيما سبق أن طالب مزارعون في الرقة بتسريع صرف أثمان محاصيلهم، وربطت الجهات المعنية وتيرة الدفع بوصول القوائم وتوفر السيولة. وهذا يعني أن الزيادة الجديدة جاءت بينما كان جزء من القطاع الزراعي يستعد لدورة إنتاج جديدة وما تزال السيولة الناتجة عن الدورة السابقة تصل تدريجياً إلى بعض المنتجين.

وتكشف مطابقة أجراها Press 365 بين توقيت زيادة المازوت واستمرار صرف مستحقات القمح والاستعداد للموسم الزراعي الجديد عن نقطة ضغط أساسية في المنطقة الشرقية: المزارع يحتاج إلى رأس المال قبل بدء الإنتاج، فيما ارتفعت في الوقت نفسه كلفة أحد أهم مدخلاته التشغيلية بنسبة 40%. فالوقود يدخل في تجهيز الأرض وتشغيل الجرارات ومضخات الري والحصادات، ثم يعود مرة أخرى في مرحلة نقل المحصول إلى مراكز الاستلام أو الأسواق.

وتنشأ بذلك حلقة كلفة متتابعة تبدأ قبل زراعة المحصول وتستمر حتى وصوله إلى المستهلك. صاحب الجرار يعيد احتساب أجرة العمل وفق كلفة الوقود، والمزارع يضيف هذه الزيادة إلى نفقات الإنتاج، والناقل يواجه الزيادة نفسها عند تحميل المحصول، بينما يستقبل السوق في النهاية مجموعاً من هذه التكاليف. ولهذا جاءت التحذيرات في الشهادات التي حصل عليها Press 365 مرتبطة بالزراعة والنقل وأسعار الغذاء أكثر من ارتباطها بكلفة الوقود بوصفها بنداً مستقلاً.

ومن هنا تكتسب مشاهد منع صهاريج النفط من المرور في بعض مناطق الشرق دلالة اجتماعية خاصة. فالاحتجاجات وقعت في جغرافيا تضم مناطق إنتاج نفطي وطرقاً تستخدم في نقل الخام، فيما تلقى سكانها في اليوم نفسه زيادة كبيرة في سعر المشتقات النهائية. وتبقى معادلة الخام المحلي والمشتقات أكثر تعقيداً من الصورة التي تظهر على الطريق؛ إذ تدخل قدرات التكرير ونوعية الخام وحاجة السوق إلى منتجات نفطية محددة ضمن سلسلة الإمداد. إلا أن مرور الصهاريج وسط مناطق تحتج على أسعار الوقود وضع حركة النفط نفسها في قلب المشهد الاحتجاجي.

لماذا تنتقل أزمة الخارج بهذه السرعة إلى الداخل؟

توضح أرقام قطاع الطاقة جانباً مهماً من سرعة انتقال الصدمة إلى السوق السورية. فبحسب البيانات التي أعلنتها وزارة الطاقة، تحتاج البلاد إلى نحو 300 ألف برميل يومياً من النفط ومشتقاته، مقابل إنتاج محلي من الخام يقارب 100 ألف برميل يومياً. وفي المازوت تحديداً، تقدر حاجة السوق بنحو 7.72 ملايين ليتر يومياً، بينما يبلغ الإنتاج المحلي نحو 3.09 ملايين ليتر، ويجري تأمين قرابة 4.63 ملايين ليتر عن طريق الاستيراد، بما يعادل نحو 60% من الحاجة اليومية وفق هذه الأرقام.

وتزداد حساسية هذه المعادلة مع توقف مصفاة بانياس مؤقتاً لإجراء أعمال الصيانة، الأمر الذي يرفع الحاجة إلى استيراد المشتقات الجاهزة في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة العالمية اضطراباً وارتفاعاً في تكاليف النفط والمنتجات المكررة والشحن والتأمين. وتقول وزارة الطاقة إن الحفاظ على تدفق الإمدادات يتطلب تغطية كلفة الشحنات المستوردة وتأمين السيولة اللازمة لشراء الشحنات التالية، وإن التسعيرة الحالية ستبقى خاضعة للمراجعة مع تغير هذه الظروف.

وتمنح الأرقام تفسير الوزارة المتعلق بكلفة الاستيراد أساساً اقتصادياً واضحاً، وتكشف في الوقت نفسه نقطة الضعف البنيوية التي ظهرت مع قرار الأحد: الفجوة بين الطلب المحلي وقدرات الإنتاج والتكرير تجعل سوق المحروقات السورية شديدة التأثر بما يحدث خارج الحدود. وعندما ترتفع كلفة المشتقات المستوردة، ينتقل جزء كبير من هذه الزيادة إلى الداخل، ثم يعبر من الوقود إلى قطاعات تعتمد عليه بصورة يومية.

ويمكن رؤية هذا الانتقال في الاحتجاجات نفسها. فالشرق السوري يحمل ثقلاً زراعياً ونفطياً واضحاً، بينما تختلف البنية الاقتصادية في إدلب وريف حلب، ومع ذلك ظهر الاعتراض في المنطقتين خلال اليوم نفسه. العامل المشترك بين هذه البيئات هو موقع الوقود داخل الحياة الاقتصادية اليومية، سواء في النقل أو الإنتاج أو حركة البضائع والخدمات.

احتجاج يتجاوز الجغرافيا الشرقية

شكل وصول التحركات إلى إدلب وريف حلب التطور الأبرز في مسار احتجاجات الأحد، لأنه نقل الحدث من اعتراض واسع في محافظات الشرق إلى مشهد متعدد المناطق. وبهذا أصبحت زيادة المحروقات عاملاً مشتركاً بين مجتمعات محلية تختلف في مصادر دخلها وظروفها الاقتصادية، بينما تتشابه في محدودية القدرة على امتصاص ارتفاع سريع في تكاليف النقل والإنتاج والمعيشة.

ويكشف هذا الاتساع عن ثلاثة مستويات اجتمعت في يوم واحد: سوق طاقة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، وقطاعات إنتاج ونقل ترتبط مباشرة بسعر الوقود، وقدرة شرائية محدودة تجعل انتقال أي زيادة جديدة إلى السلع والخدمات أكثر حساسية اجتماعياً. وفي الشرق أضيف إلى ذلك عامل آخر يتمثل في الوضع الزراعي، حيث جاءت زيادة المازوت في وقت يستعد فيه المزارعون لدورة جديدة، فيما لا تزال مستحقات محاصيل سابقة قيد الصرف لدى جزء منهم.

وبهذا لم يبق قرار 13 أيلول داخل حدود نشرة أسعار المحروقات. فمنذ الساعات الأولى ظهرت آثاره على الطرق وفي حركة النقل وبين المزارعين والسائقين، ثم اتسعت رقعة الاعتراض جغرافياً. أما الحجم النهائي للأثر على الأسعار والإنتاج والمساحات الزراعية فيحتاج إلى وقت وبيانات لاحقة لقياسه، خصوصاً أن وزارة الطاقة تصف التسعيرة الجديدة بأنها مؤقتة وترتبط بظروف استثنائية في التكرير والاستيراد.

وتضع التطورات الحكومة أمام اختبار يتجاوز تأمين المشتقات نفسها. فاستمرار تدفق الوقود يتطلب تمويل الاستيراد في سوق عالمية مرتفعة الكلفة، بينما يتطلب الحفاظ على دورة الإنتاج المحلية قدرة قطاعات مثل الزراعة والنقل على تحمل السعر الجديد من دون نقل كامل الزيادة إلى المستهلك أو تقليص نشاطها.

وتكشف المعطيات التي تتبعها Press 365، إلى جانب الشهادات الخاصة من المنطقة الشرقية، أن سرعة اتساع احتجاجات 13 أيلول ارتبطت بالتقاء هذه العوامل في لحظة واحدة: زيادة كبيرة في سعر المازوت، اعتماد واسع على الاستيراد، قطاع زراعي يحتاج إلى السيولة قبل موسم جديد، ونقل قادر على تمرير كلفة الوقود سريعاً إلى بقية السوق.

وخلال أقل من يوم، انتقلت الزيادة من نشرة الأسعار إلى الطرق والجرارات والسرافيس والصهاريج، وامتدت الاحتجاجات من الجزيرة إلى إدلب وريف حلب. ومن هنا يبدأ الاختبار الحقيقي للقرار: المدة التي ستستمر فيها التسعيرة الجديدة، وحجم انتقالها إلى كلفة الغذاء والنقل والإنتاج، وقدرة الإجراءات الحكومية المقبلة على منع صدمة الوقود من التحول إلى موجة أوسع من ارتفاع تكاليف المعيشة.