مصادر عسكرية ودبلوماسية سورية تتحدث لـPress 365 عن قراءة أمنية تربط بين جبل الشيخ ومرتفعات القنيطرة وغرب درعا، فيما يكشف تتبع الانتشار الإسرائيلي ومسار المفاوضات أن المواقع التي سيطرت عليها إسرائيل بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 أصبحت جزءاً من ميزان القوة الذي تفاوض من خلاله على شكل الترتيبات الأمنية المقبلة في الجنوب.
في التاسع من أيلول/سبتمبر 2026، وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على قمة جبل الشيخ داخل الأراضي السورية، برفقة وزير الدفاع يسرائيل كاتس وعدد من كبار القادة العسكريين، وأعلن أن إسرائيل تسيطر على المجال الممتد من جبل الشيخ حتى نهر اليرموك، في وقت أكد فيه كاتس بقاء القوات الإسرائيلية في ما تصفه تل أبيب بـ«المنطقة الأمنية». حملت الزيارة دلالة تتجاوز مضمون التصريحات، إذ صدرت من أحد أبرز المواقع التي دخلتها القوات الإسرائيلية عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، والذي أصبح لاحقاً إحدى أكثر النقاط حساسية في المفاوضات الأمنية بين دمشق وتل أبيب.
خلال الفترة الفاصلة بين سقوط النظام والزيارة الأخيرة، رسخت إسرائيل وجوداً عسكرياً داخل أجزاء من الجنوب السوري، وأقامت مواقع ثابتة ونقاط تفتيش ونفذت دوريات وتوغلات متكررة، بالتوازي مع اتصالات ومفاوضات تبحث مستقبل هذا الانتشار والترتيبات الأمنية على جانبي خط الفصل. وفي الثامن من أيلول/سبتمبر الجاري، وصفت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا النشاط العسكري الإسرائيلي في الجنوب بأنه أصبح أكثر «استمراراً وتجذراً»، مشيرة إلى وجود بنية عسكرية ثابتة وشبكة من نقاط التفتيش وعمليات مداهمة واعتقال. وتقول إسرائيل إن انتشارها مرتبط بمتطلبات أمنية وإن وجودها في المنطقة مؤقت.
غير أن تتبع Press 365 لمسار الانتشار الإسرائيلي ومقارنته بالمقترحات الأمنية التي دخلت المفاوضات خلال العامين الماضيين يكشف تحولاً مهماً في طبيعة هذا الوجود. فالمواقع التي سيطرت عليها إسرائيل بعد سقوط النظام أصبحت جزءاً من التفاوض على الانسحاب، بالتزامن مع مطالب إسرائيلية بفرض قيود على انتشار القوات والأسلحة والطيران السوري في مناطق واسعة من الجنوب. ويبرز جبل الشيخ بوصفه المثال الأكثر وضوحاً على التداخل بين الميدان والتفاوض، بعدما سعت إسرائيل خلال المفاوضات إلى الاحتفاظ بموقعها فوق الجبل ضمن أي ترتيب أمني مقبل.
وتقول مصادر عسكرية سورية تحدثت لـPress 365 إن التقديرات التي تتابع التحركات الإسرائيلية تركز على القيمة الاستراتيجية للمواقع التي اختارتها القوات الإسرائيلية، وفي مقدمتها جبل الشيخ ومجموعة من المرتفعات في القنيطرة وغرب درعا. وبحسب المصادر، توفر هذه النقاط قدرة على مراقبة الطرق ومحاور الحركة ومناطق الانتشار في مساحة تتجاوز الحدود المباشرة للمواقع العسكرية، الأمر الذي يمنحها قيمة أمنية واستخباراتية كبيرة حتى مع محدودية المساحة التي تشغلها القوات على الأرض.
وتضيف المصادر أن القلق السوري يرتبط بإمكانية تحول الانتشار الذي نشأ بعد 8 كانون الأول/ديسمبر إلى واقع أمني طويل الأمد يدخل لاحقاً في بنية أي اتفاق مع إسرائيل. وفي هذه الحالة، تصبح السيطرة على بعض المرتفعات مرتبطة بقدرة أوسع على مراقبة الجنوب، فيما تتحول المواقع نفسها إلى أوراق يمكن استخدامها في التفاوض على الانسحاب والضمانات الأمنية المقابلة.
جبل الشيخ في قلب الخريطة
يتمتع جبل الشيخ بأهمية عسكرية استثنائية بسبب ارتفاعه وموقعه المشرف على مساحات واسعة من جنوب سوريا وريف دمشق والجولان وأجزاء من الحدود السورية–اللبنانية. وتسمح المرتفعات الموجودة فيه بمراقبة عدد من الطرق ومحاور الحركة والانتشار، ما جعل الجبل تاريخياً موقعاً مهماً للرصد والإنذار المبكر، وأكسب السيطرة عليه وزناً يتجاوز مساحته الجغرافية المباشرة.
وتشير مصادر عسكرية سورية لـPress 365 إلى أن جبل الشيخ يمثل العقدة الأهم ضمن جغرافيا أوسع تضم مرتفعات ذات قيمة عسكرية متفاوتة في القنيطرة وغرب درعا، بينها تل الحارة وتلول الحمر وتل الأحمر وتل الجابية وتل الفرس. وتوضح المصادر أن أهمية هذه النقاط تنبع من مواقعها ومجالات الرؤية التي توفرها والطرق والمحاور التي تشرف عليها، وأن الربط الوظيفي بينها يمكن أن يمنح قدرة واسعة على الرصد ومتابعة التحركات من دون الحاجة إلى وجود عسكري متصل بينها.
ولا تظهر المعطيات المتاحة وجود حزام بري إسرائيلي متصل من جبل الشيخ حتى اليرموك، كما لا تكفي الأدلة المتاحة للقول إن جميع المواقع الحالية أقيمت وفق خطة عسكرية واحدة معدة مسبقاً. لكن نمط الانتشار يكشف اهتماماً واضحاً بالنقاط ذات القيمة الاستراتيجية، فيما تسمح طبيعة الأرض المرتفعة لمواقع محدودة بأن توفر مجال مراقبة أكبر بكثير من المساحة التي تتمركز عليها القوات.
أهمية جبل الشيخ انتقلت في الوقت نفسه من الميدان إلى طاولة التفاوض. ففي أيلول/سبتمبر 2025، طرحت إسرائيل تصوراً أمنياً يقسم أجزاء من جنوب غرب سوريا إلى مناطق متفاوتة القيود على القوات والأسلحة السورية، ويتضمن قيوداً مشددة في الشريط الأقرب إلى الجولان ومنطقة أوسع خاضعة لترتيبات عسكرية خاصة، إلى جانب قيود على حركة الطيران السوري. وفي مقابل هذه الترتيبات، طُرح انسحاب تدريجي من الأراضي التي دخلتها إسرائيل بعد سقوط النظام، مع إصرار إسرائيلي على الاحتفاظ بموقع استراتيجي على جبل الشيخ.
تكتسب هذه النقطة أهمية إضافية بعد مرور نحو عام على ظهور ذلك المقترح. فالقوات الإسرائيلية ما زالت موجودة فوق الجبل، ونتنياهو اختار الموقع نفسه في التاسع من أيلول/سبتمبر ليعلن منه السيطرة على المجال الممتد حتى اليرموك. وبذلك أصبح جبل الشيخ يجمع ثلاث وظائف في آن واحد: موقعاً عسكرياً متقدماً، ونقطة مراقبة استراتيجية، وورقة مرتبطة بمستقبل الانسحاب والترتيبات الأمنية.
الميدان يسبق الاتفاق
تكشف مراجعة التسلسل الزمني منذ كانون الأول/ديسمبر 2024 أن الوقائع العسكرية سبقت بلورة النظام الأمني الذي تتفاوض عليه دمشق وتل أبيب. فقد دخلت القوات الإسرائيلية المنطقة وسيطرت على مواقع جديدة وعززت وجودها فيها، ثم انتقلت المفاوضات إلى بحث مستقبل هذه المواقع وحدود انتشار الجيش السوري والأسلحة والضمانات الأمنية التي تطالب بها إسرائيل.
وتقول مصادر دبلوماسية سورية تحدثت لـPress 365 إن تحديد نقطة البداية يمثل إحدى العقد الأساسية في الاتصالات. تتمسك دمشق بالعودة إلى مواقع ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وباتفاق فض الاشتباك لعام 1974 مرجعيةً للترتيبات المقبلة، وتطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي دخلتها بعد سقوط النظام. وفي المقابل، تطرح إسرائيل ترتيبات أمنية أوسع تتصل بمستويات انتشار القوات السورية ونوعية الأسلحة والقدرات الموجودة قرب الجولان.
وبحسب المصادر، أبدت دمشق استعداداً لمناقشة ضمانات أمنية متبادلة تمنع ظهور تهديدات على جانبي الحدود، مع تمسكها باستعادة السيادة على الأراضي التي دخلتها القوات الإسرائيلية. ويضع هذا التباين الطرفين أمام خلاف يتجاوز التفاصيل العسكرية إلى تحديد الخريطة التي يجب أن تشكل أساس المفاوضات: خريطة ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر، أم الواقع الميداني الذي نشأ بعده.
ويمنح هذا الخلاف المواقع الإسرائيلية الحالية قيمة تفاوضية إضافية. فعندما يصبح الانسحاب من أرض دخلتها القوات بعد سقوط النظام بنداً في التفاوض، تتحول السيطرة العسكرية إلى ورقة سياسية يمكن ربطها بالحصول على ترتيبات أو ضمانات في المقابل. ويقدم جبل الشيخ أوضح مثال على ذلك، إذ ظهر الموقع الذي دخلته إسرائيل بعد سقوط النظام لاحقاً ضمن المقترحات الإسرائيلية بوصفه استثناءً تسعى إلى الاحتفاظ به حتى مع الانسحاب من مواقع أخرى.
وتكشف المطابقة بين الميدان ومسار التفاوض أن إسرائيل دخلت الاتصالات وهي تملك جغرافيا لم تكن تسيطر عليها داخل سوريا قبل سقوط النظام. ومع استمرار المفاوضات، أصبح مصير هذه الجغرافيا مرتبطاً بالنقاش حول طبيعة القوات السورية التي ستنتشر في الجنوب، ونوعية الأسلحة المسموح بوجودها، والضمانات التي تريدها إسرائيل على امتداد المنطقة القريبة من الجولان.
هذه المعادلة تمنح الأرض وظيفتين متزامنتين: قيمة عسكرية ناتجة عن الموقع والقدرة على المراقبة، وقيمة تفاوضية ناتجة عن إمكانية الانسحاب منها أو الاحتفاظ بها. ومن هنا يصبح فهم الانتشار الإسرائيلي مرتبطاً بنوعية المواقع أكثر من عددها أو مساحتها وحدها.
من السيطرة الميدانية إلى القوة التفاوضية
تقول إسرائيل إن وجودها في الجنوب السوري يهدف إلى منع تشكل تهديدات عسكرية قرب الجولان، وتضع احتمال عودة النفوذ الإيراني أو حزب الله أو مجموعات مسلحة أخرى في صلب مبرراتها الأمنية. وفي المقابل، ترى دمشق أن الترتيبات الأمنية ينبغي أن تحافظ على سيادتها وقدرتها على إدارة أراضيها، وأن معالجة المخاوف الأمنية يمكن أن تتم من خلال ضمانات متبادلة وانسحاب القوات الإسرائيلية.
وتقول مصادر عسكرية سورية لـPress 365 إن القلق يتركز على صيغة قد تجمع بين احتفاظ إسرائيل ببعض المواقع ذات القدرة العالية على المراقبة وفرض قيود على القوات السورية في المناطق التي تقع ضمن مجالها الأمني. وفي مثل هذه الحالة، تستطيع مواقع محدودة جغرافياً إنتاج تأثير أمني يتجاوز مساحتها، خصوصاً عند دمج الرصد الأرضي بالمراقبة الجوية والإلكترونية.
وتنسجم هذه القراءة مع طبيعة المقترحات التي ظهرت في المفاوضات، والتي تناولت مناطق متفاوتة التسليح والانتشار داخل الجانب السوري. وعند وضع خريطة هذه القيود إلى جانب خريطة المواقع التي دخلتها إسرائيل بعد سقوط النظام، يظهر تداخل بين الجغرافيا العسكرية التي تشكلت على الأرض والجغرافيا الأمنية التي يجري التفاوض عليها سياسياً.
ولا يثبت هذا التداخل وجود خطة إسرائيلية سرية موحدة أعدت منذ البداية لرسم الحدود الأمنية الحالية، كما لا يثبت أن كل موقع عسكري أقيم لخدمة بند تفاوضي محدد. ما تكشفه الوقائع أكثر تحديداً هو أن إسرائيل سيطرت بعد 8 كانون الأول/ديسمبر على مواقع ذات قيمة استراتيجية، ثم دخلت مفاوضات تطالب فيها بترتيبات أمنية وقيود على الجانب السوري، فيما أصبح الانسحاب من المواقع التي سيطرت عليها جزءاً من المعادلة التفاوضية.
وتكتسب تصريحات نتنياهو وكاتس الأخيرة أهميتها ضمن هذا السياق. فإعلان مجال سيطرة يمتد من جبل الشيخ إلى اليرموك، بالتزامن مع تأكيد البقاء في «المنطقة الأمنية»، جاء بعد فترة طويلة من بناء المواقع والتحصينات والمفاوضات حول مستقبل الجنوب. كما جاء في وقت تصف فيه لجنة تحقيق دولية الوجود الإسرائيلي بأنه أصبح أكثر رسوخاً، ما يجعل مستقبل هذه المواقع مرتبطاً بصورة مباشرة بمستقبل أي اتفاق أمني.
ويخلص تتبع Press 365 إلى أن التحول الأهم الذي شهدته جغرافيا الجنوب خلال العامين الماضيين يتمثل في انتقال المواقع التي دخلتها إسرائيل بعد سقوط النظام من وقائع عسكرية جديدة إلى عناصر مؤثرة في التفاوض. فقد أصبحت السيطرة على المرتفعات تمنح إسرائيل قدرة ميدانية على المراقبة، فيما يمنح مصير هذه المرتفعات ثقلاً إضافياً عند بحث الانسحاب والضمانات الأمنية.
وبذلك تبدو معركة الجنوب في جوهرها معركة على خط البداية. دمشق تريد أن يبدأ الاتفاق من الخريطة التي سبقت 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، فيما تدخل إسرائيل المفاوضات من خريطة تغيرت بعد ذلك التاريخ. وبين الخريطتين، تحولت المواقع التي سيطرت عليها إسرائيل إلى جزء من ميزان التفاوض على شكل النظام الأمني المقبل.
فإذا أعادت التسوية القوات الإسرائيلية إلى مواقع ما قبل سقوط النظام، ستكون الترتيبات الأمنية الجديدة قد بُنيت بعد استعادة خط الأساس السابق. أما إذا دخل جزء من الواقع العسكري الحالي في الاتفاق المقبل، فستكون الوقائع التي تشكلت على الأرض خلال العامين الماضيين قد أسهمت في تحديد شروط التسوية نفسها.
وهنا تكمن خلاصة ما توصل إليه Press 365: إسرائيل لم تدخل المفاوضات بمطالب أمنية فقط، وإنما دخلتها وهي تسيطر على جغرافيا جديدة. ومع تحول الانسحاب من هذه الجغرافيا إلى بند تفاوضي، أصبحت الأرض التي تغيرت قبل الاتفاق واحدة من الأدوات التي يمكن أن تحدد شكل الاتفاق بعده.