أمضوا خمس سنوات في هولندا، تعلموا اللغة، أنهوا مسار الاندماج ودخل كثيرون منهم سوق العمل، فيما تقدم بعضهم بالفعل للحصول على إقامة اللجوء الدائمة. لكن دخول القواعد الجديدة حيز التطبيق في 12 حزيران/يونيو 2026 غيّر المسار: طلبات كانت لا تزال لدى دائرة الهجرة، وملفات انتقلت إلى الطعون والمحاكم، وبديل أوروبي يفتح باباً للاستقرار لكنه يربطه أيضاً بالدخل واستدامة العمل.
بالنسبة إلى السوريين الذين وصلوا إلى هولندا خلال السنوات الماضية، كانت السنوات الخمس تمثل محطة مهمة في طريق الاستقرار. فبعد هذه المدة، كان بإمكان حامل إقامة اللجوء، عند استيفاء الشروط، التقدم للحصول على إقامة لجوء دائمة. لم يكن الحصول عليها تلقائياً، لكن المسار كان قائماً وبنى كثيرون خططهم على أساسه.
في 12 حزيران/يونيو 2026 تغير ذلك. لم يعد ممكناً تقديم طلب جديد للحصول على إقامة لجوء دائمة، وأصبحت إقامة اللجوء الجديدة محددة بثلاث سنوات، بينما احتفظ من كان يحمل الإقامة الدائمة قبل ذلك التاريخ بوضعه.
أما الإشكالية الأبرز فتخص من أكملوا السنوات الخمس وقدموا بالفعل طلباتهم قبل 12 حزيران، لكن دائرة الهجرة والتجنيس IND لم تكن قد اتخذت قراراً فيها. فبحسب الدائرة، لم تعد هذه الطلبات تُستكمل باعتبارها طلبات للدائمة، وإنما تُعامل كتجديد لإقامة اللجوء، مع إعادة الرسوم المدفوعة.
وبذلك وجد بعض السوريين أنفسهم أمام وضع لم يكن قائماً عند تقديم طلباتهم: هم لم يتأخروا عن التقديم، لكن القواعد تغيرت أثناء انتظار قرار الدولة.
إلغاء الدائمة.. خلاف حول ما فرضته أوروبا
تزامن إلغاء إقامة اللجوء الدائمة مع تطبيق ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي، لكن اختزال ما حدث بالقول إن «أوروبا ألغت الدائمة» لا يعكس الصورة القانونية كاملة.
ففي رأيه بشأن تنفيذ الميثاق، اعتبر مجلس الدولة الهولندي أن إلغاء إقامة اللجوء الدائمة لا يترتب بصورة إلزامية على الميثاق الأوروبي، وأن القواعد الأوروبية تترك مجالاً لهولندا لمنح اللاجئ، بعد مدة، وضع إقامة أقوى لا يبقى مرتبطاً باستمرار الحاجة إلى الحماية. كما اعتبر أن التطبيق الفوري للخيارات الوطنية المصاحبة لتنفيذ الميثاق لا تفرضه القواعد الأوروبية بحد ذاتها. رأي مجلس الدولة الهولندي بشأن تنفيذ الميثاق
الحكومة الهولندية تبنت قراءة مختلفة، وتمسكت بأن إلغاء هذا النوع من الإقامة ينسجم مع الإطار الأوروبي الجديد. ولذلك لا يتعلق الأمر بحكم من مجلس الدولة أبطل قرار الحكومة، وإنما بخلاف قانوني حول مدى كون إلغاء الدائمة نتيجة يفرضها القانون الأوروبي، أو خياراً وطنياً اتخذته هولندا في إطار تنفيذ القواعد الجديدة.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عند النظر إلى الملفات التي كانت قائمة بالفعل. فقد يكون شخصان قد استوفيا المدة وقدما طلبين متشابهين في ظل النظام نفسه، ثم حصل أحدهما على قرار قبل 12 حزيران، بينما بقي الآخر ينتظر إلى ما بعد دخول القواعد الجديدة حيز التنفيذ. في هذه الحالة، لم يعد اختلاف النتيجة مرتبطاً فقط بما فعله صاحب الطلب، وإنما أيضاً بالوقت الذي احتاجته الإدارة لمعالجة ملفه.
وكان مجلس الدولة قد حذر خلال المسار التشريعي من أن التطبيق الفوري للقواعد الجديدة على الإجراءات الجارية قد يؤدي إلى اختلاف في معاملة أشخاص في أوضاع متشابهة تبعاً لتوقيت معالجة ملفاتهم، بما يثير إشكالات تتعلق بالأمن القانوني والمساواة. وطرح في هذا السياق بدائل انتقالية، من بينها إبقاء بعض الملفات القائمة خاضعة للقواعد السابقة. رأي مجلس الدولة بشأن التطبيق الفوري والقواعد الانتقالية
لكن هذا التحذير لا يعني أن مجلس الدولة قرر أن كل طلب دائمة قُدم قبل 12 حزيران يجب أن يُعالج حتماً وفق القانون القديم. فهذه مسألة تختلف باختلاف الأساس القانوني للقضية، ويبقى الفصل في النزاعات الفردية من اختصاص القضاء.
بالنسبة إلى بعض أصحاب الطلبات، انتقلت القضية من IND إلى الاعتراض والطعن. والسؤال هنا لم يعد فقط ما إذا كان صاحب الطلب قد استوفى شروط الدائمة، وإنما أيضاً أي قواعد يجب تطبيقها على طلب قُدم في ظل نظام سابق ولم يُحسم قبل دخول النظام الجديد حيز التنفيذ.
وتوضح السلطة القضائية الهولندية Rechtspraak أن من قدم طلباً إلى IND قبل 12 حزيران 2026 ثم اعترض على القرار، فإن الإجراءات أمام المحكمة تُعالج في معظم الحالات وفق القانون القديم. وهذه نقطة مهمة، لكنها لا تعني أن كل من تقدم للحصول على الدائمة قبل ذلك التاريخ سيكسب طعنه تلقائياً، ولا أن القضاء أصدر حكماً عاماً يعيد الإقامة الدائمة لجميع أصحاب الطلبات القديمة. معلومات Rechtspraak حول قضايا الهجرة
ما يعنيه ذلك أن المرحلة الانتقالية ما تزال تحمل مساحة حقيقية للنزاع القانوني، وأن الأحكام القضائية ستكون مهمة في تحديد كيفية التعامل مع الملفات التي بدأت قبل 12 حزيران واستمرت بعده.
وبالنسبة إلى السوري صاحب الطلب، يمكن اختصار القضية في واقعة واضحة: قدم طلباً كان القانون يسمح به، ودفع الرسوم وانتظر قرار IND، ثم تغيرت القواعد قبل صدور القرار. أما ما إذا كان ذلك يمنحه حقاً في استمرار معالجة طلبه وفق النظام السابق، فهي مسألة لا يمكن حسمها قبل أن يقول القضاء كلمته فيها.
الإقامة الأوروبية.. البديل موجود ولكن بشروط مختلفة
إلغاء إقامة اللجوء الدائمة لم يغلق جميع طرق الوصول إلى وضع إقامة أكثر استقراراً. فبعد خمس سنوات من الإقامة القانونية، يمكن لحامل إقامة اللجوء، عند استيفاء الشروط، التقدم للحصول على وضع المقيم طويل الأمد في الاتحاد الأوروبي – EU-langdurig ingezetene.
هذا الوضع يمنح صاحبه حق الإقامة في هولندا لمدة غير محددة، بينما تُجدد بطاقة الإقامة كل خمس سنوات، كما يوفر مزايا في العمل وإمكانية الانتقال إلى دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي وفق شروط الدولة المعنية. لكنه ليس اسماً جديداً لإقامة اللجوء الدائمة، ولا يحصل عليه السوري تلقائياً بمجرد إكمال السنوات الخمس. شروط المقيم طويل الأمد في الاتحاد الأوروبي
فإلى جانب مدة الإقامة وحدود الغياب عن هولندا ومتطلبات الاندماج وغيرها، تشترط IND وجود دخل مستقل ومستدام وكافٍ. وخلال الفترة من الأول من تموز/يوليو حتى نهاية كانون الأول/ديسمبر 2026، يبلغ معيار الدخل لمن يعتمد على دخله الشخصي 1,635.90 يورو شهرياً من أجر SV من دون بدل العطلة، أو 1,766.77 يورو متضمناً بدل العطلة. معايير الدخل لدى IND
غير أن بلوغ هذا الرقم لا يكفي وحده، وهنا تظهر إحدى أبرز المشكلات العملية بالنسبة إلى السوريين الذين دخلوا سوق العمل حديثاً.
فكثير ممن وصلوا كلاجئين لم يبدأوا العمل منذ سنواتهم الأولى في هولندا. بعضهم أمضى وقتاً في إجراءات اللجوء والسكن وتعلم اللغة والاندماج أو الدراسة والتدريب، قبل أن يبدأ فعلياً ببناء مساره المهني. وعندما دخل سوق العمل، بدأ قسم منهم بعقود مؤقتة أو مرنة أو من خلال وكالات التوظيف uitzendbureaus.
وقد يعمل الشخص اليوم بدوام كامل ويحصل على راتب يتجاوز الحد المطلوب، لكن IND لا تنظر إلى مقدار دخله الحالي فقط، بل إلى مدى استدامته أيضاً. فإذا بقي عقد العمل سارياً 12 شهراً على الأقل، يكون إثبات الاستدامة أكثر مباشرة، أما العقود الأقصر أو المرنة فقد تتطلب النظر إلى سجل الدخل السابق، وفي بعض الحالات يصبح متوسط الدخل خلال السنوات الثلاث الماضية عاملاً في التقييم. قواعد IND للدخل المستقل والمستدام والكافي
ولا يعني العمل بعقد مؤقت أو عبر uitzendbureau أن الطلب سيُرفض تلقائياً. لكنه يعني أن نوع العقد ومدته وسجل الدخل تصبح عناصر مؤثرة في التقييم، وهو ما قد يجعل إثبات الشروط أصعب على شخص بدأ العمل حديثاً مقارنة بمن يملك عقداً مستقراً وسجلاً أطول من الدخل.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح: قد يكون السوري قد أنهى اندماجه، وخرج من المساعدات، ويعمل 36 أو 40 ساعة أسبوعياً، لكنه يكتشف عند التفكير في الإقامة الأوروبية أن السؤال ليس فقط كم يكسب الآن، وإنما منذ متى يعمل ومدى استدامة دخله.
السوريون أمام خريطة جديدة للاستقرار
القواعد الجديدة عامة ولا تخص السوريين وحدهم، لكن توقيتها يمنحها أثراً خاصاً لدى شريحة منهم وصلت إلى المرحلة التي كانت تتوقع عندها الانتقال إلى وضع قانوني أكثر استقراراً.
فهناك من حصل على إقامة اللجوء الدائمة قبل التغيير واحتفظ بها، ومن قدم طلبه قبل 12 حزيران ولم يحصل على قرار وأصبح أمام الاعتراض أو القضاء، ومن يتجه إلى وضع المقيم طويل الأمد في الاتحاد الأوروبي، ومن يحتاج أولاً إلى تثبيت وضعه المهني واستيفاء شروط الدخل.
وفي المقابل، لا يعني عدم الحصول على الدائمة أو عدم استيفاء شروط الإقامة الأوروبية حالياً أن السوري يفقد تلقائياً حقه في الإقامة. كما تؤكد IND أن تاريخ 12 حزيران الذي قد يظهر على وثيقة اللجوء الجديدة لا يمحو سنوات الإقامة السابقة ولا يمثل تاريخ بدء إقامة الشخص الأولى. توضيحات IND بشأن قواعد اللجوء الجديدة
المشكلة إذن ليست أن السوريين فقدوا جماعياً حقهم في البقاء، كما لا يمكن القول إن جميع أصحاب الطلبات القديمة سيكسبون أمام القضاء. ما تغير هو الطريق الذي كان جزء منهم يتوقع أن يقوده، بعد خمس سنوات، إلى قدر أكبر من الاستقرار القانوني.
من قدم للدائمة قبل تغير القواعد قد ينتظر اليوم نتيجة اعتراض أو طعن، ومن يتجه إلى الإقامة الأوروبية أصبح مطالباً بالنظر إلى دخله واستقرار عقده، فيما يستمر آخرون بإقامة اللجوء المؤقتة.
وهكذا لم تختف السنوات الخمس من حساب الإقامة، لكن ما كان ينتظر بعض السوريين في نهايتها هو الذي تغيّر. وبعد سنوات من اللجوء واللغة والاندماج والعمل، عاد السؤال الذي اعتقد بعضهم أن السنة الخامسة ستبدأ بحسمه: متى يتحول الاستقرار الذي بنوه في حياتهم اليومية إلى استقرار قانوني طويل الأمد؟