Press 365 | ملف خاص — 15 تشرين الأول 2026
بعد ثلاثة عشر عاماً على مجزرتي البيضا وبانياس، تعلن السلطات السورية اعتقال معراج أورال، المعروف باسم علي كيالي. تحقيق يتتبع انتقاله من التنظيمات المسلحة التركية إلى قيادة ميليشيا موالية للأسد، ويفحص الاتهامات المرتبطة بجرائم الساحل، وعلاقاته القديمة بالقوى الكردية، والروايات المتعارضة بشأن اعتقاله.
في الثاني من أيار 2013، انسحبت فصائل معارضة من قرية البيضا بريف بانياس بعد اشتباكات مع قوات نظام الأسد. لكن انتهاء القتال لم يكن نهاية المأساة؛ فخلال الساعات التالية شهدت القرية عمليات إعدام بحق مدنيين، قبل أن تمتد عمليات القتل في اليوم التالي إلى حي رأس النبع بمدينة بانياس. وبعد ثلاثة عشر عاماً، عاد اسم معراج أورال، المعروف بعلي كيالي، إلى الواجهة مع إعلان السلطات السورية اعتقاله في 15 تشرين الأول 2026.
يتتبع هذا التحقيق مسيرة قائد ميليشيا «المقاومة السورية» الموالية لنظام الأسد، من التنظيمات المسلحة التركية إلى أحداث الساحل، ويفصل بين الجرائم الموثقة والاتهامات الموجهة إليه شخصياً، وبين الروايات المتعارضة حول ظروف اعتقاله.
من أنطاكيا إلى سوريا الأسد
ولد معراج أورال عام 1956 في منطقة هاتاي جنوبي تركيا. انخرط خلال سبعينيات القرن الماضي في تيار «عاجلجيلر» اليساري المسلح، واعتقلته السلطات التركية على خلفية نشاطه، قبل فراره إلى سوريا مطلع الثمانينيات. هناك أصبح معروفاً باسم علي كيالي، واتخذ من قضية لواء إسكندرون عنواناً سياسياً، وأقام علاقات مع أوساط مقربة من نظام حافظ الأسد، وفق تقارير عن سيرته.
وخلال تلك السنوات نشأت صداقة بينه وبين عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني. وفي مقابلة نشرتها شبكة «رووداو» عام 2016، تحدث أورال عن علاقة امتدت نحو ثمانية عشر عاماً. وتثبت المقابلة حديثه عن هذه الصداقة، لكنها لا تثبت وحدها وجود تبعية تنظيمية مستمرة بينه وبين حزب العمال الكردستاني.


تأسيس ميليشيا «المقاومة السورية»
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، برز أورال قائداً لتنظيم «المقاومة السورية – الجبهة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون»، الذي قاتل إلى جانب قوات بشار الأسد، ولا سيما في الساحل السوري. وكان جمال طرابلسي من أبرز مساعديه. وعمل التنظيم في بيئة عسكرية تشابكت فيها أدوار الجيش النظامي وقوات الدفاع الوطني والمجموعات المسلحة المحلية؛ وهو تشابك يجعل تحديد المسؤولية الفردية عن الانتهاكات مسألة تتطلب التحقيق في سلسلة القيادة والأوامر الفعلية.

البيضا.. الإعدامات بعد انسحاب المقاتلين
تقع قرية البيضا قرب مدينة بانياس بمحافظة طرطوس. في صباح الثاني من أيار 2013، اندلعت اشتباكات بين قوات حكومية ومقاتلين معارضين. وبحسب تحقيق هيومن رايتس ووتش الصادر في أيلول من العام نفسه، انسحب المقاتلون المعارضون المحليون قرابة الساعة الواحدة ظهراً، ثم دخل جنود ومسلحون موالون للحكومة إلى القرية وبدأوا اقتحام المنازل واقتياد السكان.

وثقت المنظمة إعدام رجال من مسافات قريبة، ومقتل نساء وأطفال داخل منازلهم. ومن الوقائع التي سجلتها مقتل ما لا يقل عن 26 شخصاً من أحد فروع عائلة بياسي، بينهم أربعة عشر طفلاً، ونجاة طفلة صغيرة رغم إصابتها بالرصاص. كما وثقت تكديس ما لا يقل عن 25 جثة داخل محل للهواتف المحمولة وإشعال النار فيها. وتوصل التحقيق إلى أن الغالبية العظمى من الضحايا أُعدموا بعد انتهاء الاشتباكات، لا أثناء مواجهة عسكرية جارية.

رأس النبع.. مجزرة في اليوم التالي
في الثالث من أيار، شهد حي رأس النبع بمدينة بانياس عمليات قتل مشابهة. تحدث ناجون عن إعدام مدنيين داخل المنازل وفي الشوارع، والعثور على جثث رجال ونساء وأطفال من عائلات متعددة. ووثقت هيومن رايتس ووتش أسماء 248 قتيلاً على الأقل في المجزرتين: 167 في البيضا و81 في بانياس. واعتبرت المنظمة أن العدد الفعلي مرجح لأن يكون أعلى من حصيلتها الموثقة بالأسماء.
وفي تغطية لاحقة نقلت وكالة «سانا» عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان حصيلة أعلى بلغت 459 ضحية في الموقعين. ولا يصح جمع الرقمين؛ فهما حصيلتان صادرتان عن جهتين مختلفتين وفي فترتين مختلفتين، ويجب فهم كل منهما ضمن منهجية التوثيق الخاصة بها.
ما الذي يربط أورال بالمجزرة؟
ارتبط اسم أورال بالمجزرتين بسبب قيادته ميليشيا موالية للنظام، واتهامات تتعلق بمشاركة مجموعات مرتبطة به في عمليات الساحل. كما جرى تداول تسجيل يظهر فيه متحدثاً عن عمليات عسكرية في محيط بانياس وعن «التطهير». غير أن الاستناد إلى التسجيل لإثبات دور جنائي مباشر يستلزم التحقق من أصله وتاريخه وسياقه.
أثبت تحقيق هيومن رايتس ووتش وقوع عمليات إعدام على يد قوات حكومية ومجموعات موالية لها، لكنه ليس حكماً قضائياً يثبت أن أورال أصدر شخصياً أوامر قتل الضحايا. ويتطلب تحديد مسؤوليته معرفة الوحدات المشاركة، ومن أصدر الأوامر، وما إذا كانت له سيطرة فعلية على المنفذين. وهذه أسئلة ينبغي أن يجيب عنها تحقيق قضائي مستقل.
تفجيرات الريحانية.. ملف قضائي تركي
في 11 أيار 2013، شهدت مدينة الريحانية التركية تفجير سيارتين مفخختين أوقعا عشرات القتلى. اتهمت السلطات التركية شبكة مرتبطة بالنظام السوري بالتخطيط للهجوم، وورد اسم أورال في القضية، بينما نفى مسؤوليته. واستمرت الملاحقات والمحاكمات سنوات، مع الفصل بين الاتهامات الموجهة إليه وبين الأحكام الصادرة بحق متهمين آخرين. ولا يصح التعامل مع اتهامه بوصفه إدانة قضائية نهائية.
أوجلان ووحدات حماية الشعب
في مقابلة مع «رووداو» عام 2016، وصف أورال وحدات حماية الشعب بأنها قوة مشروعة للدفاع عن الأكراد، وأعلن أنها قوة صديقة لتنظيمه. تثبت هذه التصريحات تقارباً سياسياً معلناً، لكنها لا تثبت بمفردها تحالفاً عسكرياً مستمراً مع الوحدات أو مع قوات سوريا الديمقراطية «قسد».
بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، أصبح مكان وجود أورال محل تساؤلات. وفي كانون الثاني 2026، نقلت وسائل إعلام عن مصدر أمني سوري معلومات عن وصول مجموعة بقيادته إلى الطبقة للقتال إلى جانب «قسد»، لكن الأخيرة نفت صحة هذه المعلومات. وبغياب أدلة مستقلة منشورة، يبقى وجوده هناك ومشاركته القتالية موضع خلاف.
من اعتقال طرابلسي إلى توقيف أورال
في الرابع من تشرين الأول 2026، أعلنت السلطات السورية اعتقال جمال طرابلسي، أحد أبرز مساعدي أورال، على خلفية اتهامات مرتبطة بعمليات عسكرية وانتهاكات خلال الحرب. وبعد أحد عشر يوماً، أعلنت اعتقال أورال. ويثير التقارب الزمني بين العمليتين أسئلة عن احتمال وجود صلة أمنية، لكن لا تتوافر معلومات رسمية كافية تثبت أن التحقيق مع طرابلسي قاد مباشرة إلى توقيف قائده السابق.
ثلاث روايات حول عملية الاعتقال

أعلنت «سانا» في 15 تشرين الأول 2026 أن جهاز الاستخبارات العامة قبض على أورال أثناء محاولته الفرار عبر الحدود، من دون تحديد المكان. في المقابل، نقل المرصد السوري لحقوق الإنسان ووسائل إعلام لبنانية روايات عن توقيفه في منطقة المنصورية داخل لبنان، مع غموض بشأن الجهة المنفذة ومسار نقله. كما تداولت معلومات غير مؤكدة عن احتمال تسليمه من «قسد»، من دون دليل أصلي مستقل أو تأكيد رسمي يثبت ذلك.
المؤكد هو إعلان السلطات السورية اعتقاله. أما مكان التوقيف الأول وكيفية وصوله إلى قبضتها، فتبقى بشأنهما روايات متعارضة تحتاج إلى توضيح رسمي وأدلة إضافية. ولا يجوز تحويل صلاته السياسية القديمة بالقوى الكردية إلى دليل على حدوث عملية تسليم.
هل يبدأ مسار المساءلة؟
قد يتيح الاعتقال إعادة فتح ملف قيادة المجموعات التي شاركت في عمليات الساحل عام 2013، والاستماع إلى الشهود وفحص الأدلة المصورة والسجلات العسكرية ومقارنة أقوال المتهمين. لكن الوصول إلى العدالة يقتضي إجراءات مستقلة وحماية للشهود وضمان حقوق الدفاع، والفصل بين ثبوت المجزرة وإثبات المسؤولية الفردية عن كل جريمة.
في البيضا ورأس النبع، لم يكن الضحايا مجرد أرقام في تقارير حقوقية؛ كانوا عائلات وأطفالاً ومدنيين قُتلوا بعد انتهاء القتال. وبعد ثلاثة عشر عاماً، يبقى السؤال الذي ينتظر جواباً قضائياً: من أصدر الأوامر، ومن نفذها، ومن وفر الحماية للمسؤولين؟ اعتقال معراج أورال قد يفتح باب الإجابة، لكنه لا يغلق ملف المجزرة.
للمزيد: خبر اعتقال معراج أورال على Press 365.