عاجل
آخر تحديث 17:50

شريك المبعوث الأميركي في مشروع نفطي بسوريا.. وثائق تكشف مصالح مالية وأسئلة عن تضارب النفوذ

من شراكة استثمارية موثقة في الولايات المتحدة إلى مشروع خط أنابيب تتجاوز تكلفته المقدرة 15 مليار دولار، تتقاطع العلاقات التجارية […]

شريك المبعوث الأميركي في مشروع نفطي بسوريا.. وثائق تكشف مصالح مالية وأسئلة عن تضارب النفوذ
أدوات القراءة
حجم الخط

من شراكة استثمارية موثقة في الولايات المتحدة إلى مشروع خط أنابيب تتجاوز تكلفته المقدرة 15 مليار دولار، تتقاطع العلاقات التجارية السابقة لتوماس باراك مع الدور الإقليمي لشركة يديرها زياد غندور. وبينما تنفي واشنطن وجود مصلحة مالية للمبعوث الأميركي في المشروع النفطي، تثير الوثائق والتفاهمات الحكومية أسئلة بشأن حدود النفوذ الدبلوماسي ومعايير اختيار الشركاء.

لم تكن مشاركة شركة TI Capital الأميركية في مشروع نقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط مجرد تفصيل تجاري ضمن تفاهمات الطاقة المعلنة بين دمشق وبغداد. فقد كشف تحقيق نشرته وكالة رويترز، الجمعة 9 تشرين الأول 2026، أن المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق توماس باراك احتفظ بمصلحة مالية في مشروع عقاري تديره الشركة نفسها، التي يقودها شريكه التجاري السابق زياد غندور، في وقت أفادت فيه مصادر مطلعة بأن باراك دفع باتجاه إشراكها في المشروع النفطي.

ويعيد الكشف طرح أسئلة تتجاوز الجدوى الاقتصادية لخط الأنابيب، الذي تُقدر كلفة إنشائه بما لا يقل عن 15 مليار دولار، إلى طبيعة العلاقة بين النفوذ الدبلوماسي الأميركي والاستثمارات الخاصة في مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية بالمنطقة.

وتظهر مراجعة الوثائق المالية والتنظيمية الأميركية، إلى جانب البيانات الرسمية السورية والمعلومات المنشورة عن الشركات المعنية، أن العلاقة التجارية بين باراك وغندور سبقت تولي الأول مهامه الدبلوماسية بسنوات، وأن شركة TI Capital انتقلت لاحقاً من المناقشات المتعلقة بإعادة تشغيل خط كركوك–بانياس إلى المشاركة في تحالف دولي مكلف بإعداد الدراسات الفنية والمالية للمشروع.

غير أن هذه الوقائع، على أهميتها، لا تثبت حصول باراك على منفعة مالية من خط الأنابيب، ولا تكفي لإثبات مخالفة قانونية أو فساد في إجراءات التعاقد. لكنها توفر أساساً موثقاً لفحص احتمال تضارب المصالح وحدود تأثير العلاقات التجارية السابقة في القرارات المتعلقة بالمشاريع الحكومية الكبرى.

علاقة تجارية تكشفها الوثائق الأميركية

تعود الشراكة الموثقة بين توماس باراك وزياد غندور إلى عام 2020 على الأقل، عندما ارتبط الطرفان بمشروع تأسيس شركة استحواذ ذات غرض خاص حملت اسم Falcon Acquisition Corp، قبل أن يظهر اسمها لاحقاً في السجلات التنظيمية الأميركية باسم Falcon Peak Acquisition Corp.

وتوضح وثيقة مودعة لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية أن الجهة الراعية للمشروع كانت تدار بصورة مشتركة من شركتي TI Capital Management، المرتبطة بغندور، وFalcon Peak Partners، المكتب الاستثماري العائلي لباراك.

توماس باراك مع وزير الخارجية السوري

كما تحدد الوثيقة غندور بوصفه المدير التنفيذي للمشروع، وتشير إلى مشاركة الشركتين في الصلاحيات المتعلقة بالتصويت والقرارات الاستثمارية للأسهم التي كانت تحتفظ بها الجهة الراعية.

وكان المشروع يستهدف جمع نحو 250 مليون دولار عبر طرح عام، لكنه لم يكتمل، وانتهت إجراءاته التنظيمية بسحب طلب التسجيل في تموز 2021.

وتكتسب هذه السجلات أهميتها لأنها تثبت وجود شراكة استثمارية سابقة بين الرجلين، بعيداً عن التصريحات السياسية أو شهادات المصادر التي ظهرت بعد الإعلان عن مشروع خط الأنابيب.

لكن العلاقة لم تنحصر في مشروع الاستحواذ الملغى. فقد أظهر الإفصاح المالي الذي قدمه باراك قبل توليه منصبه الدبلوماسي عام 2025 احتفاظه بمصلحة غير مباشرة في مشروع عقاري بكاليفورنيا يحمل اسم ACD-TI Oakley، تديره شركة TI Capital.

وبحسب بيانات الإفصاح المنشورة عبر مؤسسة ProPublica، يحتفظ باراك بحق في الحصول على 20% من الأرباح التي تتجاوز عتبة عائد تبلغ 15%، مقابل خدمات سابقة قدمها للمشروع، فضلاً عن مصلحة استثمارية غير مباشرة فيه.

وهنا يبرز تمييز أساسي: لا تعني هذه النسبة امتلاك باراك خمس شركة TI Capital، ولا تثبت وجود حصة له في مشروع خط الأنابيب السوري العراقي. وإنما تشير إلى استمرار ارتباط مالي بمشروع منفصل تديره الشركة التي يقودها غندور.

وفي اتفاق أخلاقيات أبرمه قبل توليه مهامه الرسمية، تعهد باراك بالتنحي عن المسائل التي تؤثر مباشرة في المصالح المالية للمشروع العقاري، ما لم يحصل على إعفاء يسمح له بالمشاركة وفق القواعد الأميركية.

من المحادثات السياسية إلى مذكرة التفاهم

تتضح أهمية هذه العلاقة عند تتبع التسلسل الزمني لدخول TI Capital إلى مشروع نقل النفط العراقي عبر سوريا.

ففي 16 حزيران 2026، تناولت محادثات جمعت باراك برئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس. ونقلت وكالة الأنباء السورية «سانا» عن بيان المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي أن الجانبين بحثا المضي قدماً في مذكرة تفاهم مع شركة TI Capital لإعادة تشغيل الخط.

وكان لافتاً أن اسم الشركة ورد في تلك المرحلة بصورة منفردة، قبل الإعلان عن التحالف الدولي الذي ضم لاحقاً شركتي شيفرون الأميركية وUCC Holding القطرية.

وبحسب تحقيق رويترز، أفاد شخصان مطلعان مباشرة على المناقشات بأن باراك ضغط لإشراك شركة غندور في المشروع، فيما أكد مصدر ثالث دعمه لمشاركتها. كما أوردت الوكالة معلومات عن مناقشات تناولت إنشاء مسارات جديدة لإمدادات الطاقة في الشرق الأوسط، شارك فيها الرجلان خلال مؤتمر لمعهد ميلكن في الولايات المتحدة.

ولا يمكن التعامل مع شهادات المصادر بوصفها إثباتاً مستقلاً لوجود تدخل غير قانوني، لكنها تكتسب أهمية عند مقارنتها بالتسلسل الرسمي للمحادثات.

ففي 18 تموز، أعلنت سوريا توقيع مذكرتي تفاهم خلال اجتماعات عقدت في الولايات المتحدة. وجمعت الأولى الشركة السورية للبترول وشركة نفط البصرة العراقية، فيما وقعت الثانية مع تحالف يضم شيفرون وUCC Holding وTI Capital، لإعداد الدراسات الفنية والمالية ووضع الإطار الأولي لتنفيذ المشروع.

ووقع المذكرتين عن الجانب السوري الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، فيما مثل الجانب العراقي في المذكرة الثنائية الرئيس التنفيذي لشركة نفط البصرة باسم عبد الكريم ناصر.

وهكذا انتقلت الشركة التي تربطها علاقة أعمال سابقة بالمبعوث الأميركي إلى موقع معلن ضمن تحالف يدرس مشروعاً استراتيجياً يربط النفط العراقي بالساحل السوري.

لكن مذكرات التفاهم لا تعني ترسية عقد إنشاء نهائي على التحالف، ولا تثبت حجم الحصة الاقتصادية التي قد تحصل عليها أي من الشركات المشاركة.

مشروع استراتيجي لم تُحسم شروطه

يستهدف المشروع إنشاء مسار لنقل النفط العراقي إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط، بطاقة أولية مستهدفة تقارب مليوني برميل يومياً، بما يوفر للعراق منفذاً إضافياً للأسواق العالمية ويمنح سوريا دوراً في شبكة نقل الطاقة الإقليمية.

مصفاة بانياس

ورغم الحديث عن إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس التاريخي، فإن الدراسات الأولية تشير إلى أن المشروع قد يتطلب إنشاء بنية تحتية جديدة على أجزاء واسعة من المسار، نظراً إلى تقادم الخط القديم والأضرار التي لحقت به.

وكانت رويترز قد نقلت في آب الماضي عن مصادر مطلعة أن تنفيذ المشروع قد يستغرق أربع سنوات على الأقل، بكلفة لا تقل عن 15 مليار دولار، مع الحاجة إلى ربط حقول النفط العراقية بمراكز تجميع وخطوط تصدير جديدة.

ولا يمثل هذا الرقم قيمة استثمار دخلت فعلياً إلى سوريا، كما لا يعبر عن عقد تنفيذ مكتمل أو إيرادات مضمونة للدولة السورية. فالمشروع ما يزال مرتبطاً باستكمال الدراسات والترتيبات التمويلية والتعاقدية.

وفي المقابل، لا توضح البيانات الحكومية المنشورة حتى الآن المعايير التفصيلية التي استُخدمت لاختيار أعضاء التحالف، أو نسب مساهماتهم المحتملة، أو آليات توزيع الإيرادات ورسوم العبور والالتزامات التشغيلية.

وهي مسائل تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى حجم المشروع وطبيعته العابرة للحدود، فضلاً عن ارتباط إحدى الشركات المشاركة بعلاقة تجارية سابقة مع مسؤول أميركي لعب دوراً في المحادثات الإقليمية بشأنه.

تضارب المصالح بين الإفصاح والنفي الأميركي

تتركز الإشكالية التي أثارها تحقيق رويترز في احتمال تعارض مشاركة باراك في دعم شركة يديرها شريك أعمال سابق مع قواعد الحياد المفروضة على المسؤولين الحكوميين الأميركيين.

ونقلت الوكالة عن خبراء في أخلاقيات الوظيفة العامة أن العلاقة التجارية السابقة، مقرونة باستمرار مصلحة مالية في مشروع تديره الشركة نفسها، قد تثير تساؤلات جدية بشأن الحياد واستخدام المنصب الرسمي.

وتختلف هذه المسألة عن إثبات تضارب مصالح جنائي، الذي يتطلب شروطاً قانونية محددة، بينها طبيعة المصلحة المالية المباشرة ومدى ارتباطها بالقرار الرسمي.

وقالت رويترز إنها لم تعثر على دليل يثبت أن باراك سيحقق أرباحاً من مشروع خط الأنابيب أو من المشاريع الأخرى التي تناولها تحقيقها.

من جهتها، أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن باراك لا يمتلك أي ارتباط أو دور أو مصلحة مالية في مشروع كركوك–بانياس، وأن تصريحاته بشأنه تعكس السياسة الأميركية المعلنة لدعم التكامل الإقليمي في قطاع الطاقة. كما شددت على التزامه بقواعد الأخلاقيات الحكومية.

وأقرت الوزارة بوجود العلاقة المتعلقة بالمشروع العقاري الذي تديره TI Capital، لكنها نفت أن تعني امتلاك المبعوث الأميركي مصلحة في خط الأنابيب.

وبذلك، فإن الخلاف لا يتعلق بإثبات الشراكة التجارية السابقة، التي تؤكدها الوثائق، وإنما بتقييم أثر هذه العلاقة في أداء المسؤول الأميركي لمهامه الرسمية، وما إذا كانت تستوجب إجراءات إضافية لضمان الحياد.

طرطوس.. خيط استثماري يحتاج إلى وثيقة

يفتح الموقع الإلكتروني لشركة TI Capital زاوية أخرى تتعلق بحضورها المحتمل في قطاع البنية التحتية السوري.

فالشركة تدرج ميناء طرطوس ضمن المشاريع المرتبطة بأنشطتها في ملكية الموانئ وإعادة تأهيلها وتشغيلها وصيانتها، من دون تقديم تفاصيل عن طبيعة دورها، أو تحديد الجهة المتعاقدة معها، أو القيمة المالية لأي اتفاق محتمل.

وتبرز أهمية هذه الإشارة عند مقارنتها بالاتفاق الرسمي المعلن بين الحكومة السورية ومجموعة موانئ دبي العالمية، التي وقعت في تموز 2025 امتيازاً مدته ثلاثون عاماً لتطوير ميناء طرطوس وتشغيله، ضمن برنامج استثماري مخطط بقيمة 800 مليون دولار.

وأكدت المجموعة لاحقاً بدء العمليات التشغيلية في الميناء، كما أعلنت خلال عام 2026 وصول معدات جديدة ضمن خطة التحديث.

ولا يثبت ذكر طرطوس على موقع TI Capital وجود تعارض مع امتياز موانئ دبي العالمية، إذ قد يتعلق الأمر بخدمات أو مشاريع منفصلة أو ترتيبات لم تكتمل. لكن عدم تحديد طبيعة هذا الدور يمنع معرفة ما إذا كانت الشركة تمتلك حقوقاً تعاقدية قائمة في الميناء.

وكانت رويترز قد أشارت إلى أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من نشاط TI Capital في طرطوس، ولم تحصل على توضيح من السلطات السورية المختصة.

ومن ثم، فإن أي حديث عن حصول الشركة على امتياز لتشغيل الميناء أو مشاركتها في عقد موانئ دبي العالمية يظل غير مثبت في غياب وثيقة تعاقدية تحدد دورها الفعلي.

من يختار الشركاء في مشاريع الدولة؟

تظهر الوقائع الموثقة أن شركة TI Capital ليست مجرد اسم ورد عرضاً في نقاش سياسي، بل مؤسسة لها علاقة استثمارية سابقة بالمبعوث الأميركي، واحتفظ الأخير بمصلحة مالية في مشروع تديره، قبل أن تصبح طرفاً في تفاهمات معلنة بشأن أحد أكبر مشاريع البنية التحتية المقترحة في سوريا والعراق.

وفي الوقت نفسه، لا تكفي هذه الوقائع للجزم بأن الشركة حصلت على أفضلية غير مشروعة، أو أن العلاقات الشخصية كانت العامل الحاسم في اختيارها.

لكنها تجعل الإفصاح عن إجراءات الاختيار والاتفاقات الموقعة مسألة تتعلق بالشفافية الاقتصادية وحماية المصالح العامة، لا مجرد خلاف بشأن سلوك مسؤول أميركي.

فالمشروع المقترح قد يرتب التزامات طويلة الأجل تتعلق بالأراضي السورية والبنية التحتية ورسوم العبور والإيرادات المستقبلية، ما يستدعي معرفة الجهات التي ستملك الأصول وتديرها، والأسس التي ستحدد حقوق الشركات الأجنبية والدول المشاركة.

كما أن ظهور اسم TI Capital في محادثات رسمية قبل إعلان التحالف الدولي، ثم إدراجها ضمن مذكرات التفاهم، يضع تسلسل اختيار الشركاء في صلب الأسئلة التي تستحق إجابات موثقة.

وفي المحصلة، لا تقدم الوثائق المتاحة دليلاً على فساد مثبت في مشروع كركوك–بانياس، لكنها تكشف تقاطعاً بين مصالح تجارية خاصة ودور دبلوماسي مؤثر في مشروع اقتصادي ضخم. وبين الشراكة المالية المعلنة والمفاوضات الحكومية التي أعقبتها، يبقى السؤال الأهم: كيف اختيرت الشركات التي ستشارك في رسم مستقبل أحد أهم ممرات الطاقة المقترحة في المنطقة، وما الضمانات التي تفصل النفوذ السياسي عن المصالح الاستثمارية؟