بعد نحو عقدين على طرح مشروع لتحويل مطار المزة العسكري إلى مطار مدني يخدم «التاكسي الجوي»، تعود الفكرة إلى الواجهة من جديد، بعدما أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، في 3 أيلول/سبتمبر 2026، إعداد خطط لإعادة تصنيف المطار للاستخدام المدني المحدود، وتخصيصه للطيران الخاص والتنفيذي. غير أن العودة إلى أرشيف المشروع تكشف أن المطار كان مطروحاً للاستثمار منذ عام 2007، وأن شركة «راماك» المرتبطة برامي مخلوف ظهرت آنذاك باعتبارها الشركة التي فازت بعقد تأهيله، فيما يقود تتبع الاستثمارات المحيطة بالمزة إلى شبكة أعمال تتقاطع فيها أسماء وشركات ارتبطت بمخلوف ومحمد حمشو.
وبحسب الإعلان الرسمي، بدأت في المطار أعمال أولية تشمل إزالة الركام وبعض الأعمال المرتبطة بالبنية التحتية للملاحة الجوية، بالتوازي مع استكمال المتطلبات الفنية والتنظيمية اللازمة لإعادة التصنيف. وتقول الهيئة إن المطار سيعمل مكملاً لمطار دمشق الدولي، لكن التصور الذي سبق أن كشف عنه رئيس الهيئة عمر الحصري يتجاوز تشغيل الطيران الخاص، ليشمل مشروعاً أوسع تحت اسم «مجتمع الطيران»، يضم فنادق ومراكز أعمال ومرافق للصيانة والتدريب ومناطق تجارية وسكنية.
هذه التفاصيل تعيد فتح ملف قديم، يعود إلى السنوات التي سبقت اندلاع الثورة السورية، حين كان مطار المزة جزءاً من مشروع استثماري مشابه في وظيفته الأساسية، وإن كان أقل حجماً مما يُطرح اليوم.
مشروع مخلوف القديم و عقد «راماك».. البداية من عام 2007
في تشرين الثاني/نوفمبر 2007، نشرت مصادر سورية تفاصيل مشروع يقضي بإعادة تأهيل مطار المزة العسكري وتحويله إلى مطار مدني لخدمة «التاكسي الجوي»، مع تسيير رحلات تربط دمشق بعمان وبيروت، إضافة إلى اللاذقية وحلب ودير الزور والحسكة. ووفق المواد المنشورة آنذاك، وقع الاختيار على مطار المزة بسبب قربه من مركز العاصمة، وهي الميزة نفسها التي تمنحه اليوم أفضلية بالنسبة للطيران الخاص ورجال الأعمال.
الأهم في تلك المواد كان اسم الشركة التي ظهرت خلف المشروع. فقد نُشر أن شركة «راماك للمقاولات»، المملوكة لرامي مخلوف، فازت بعقد تأهيل المطار وتحويله إلى الاستخدام المدني. ولم يعثر Press 365، خلال مراجعة المصادر المفتوحة، على نسخة أصلية منشورة من العقد الحكومي، ولذلك لا يمكن التحقق بصورة مستقلة من قيمته ومدته وشروطه، إلا أن الإشارة إلى «راماك» وردت في مواد أرشيفية تعود إلى الفترة التي كان المشروع فيها مطروحاً، وليست رواية ظهرت بعد سقوط مخلوف من دائرة النظام.
كما أن دخول مخلوف إلى ملف المطار جاء بالتزامن مع توسعه في قطاعات أخرى، بينها العقارات والمصارف والاتصالات والسياحة، إضافة إلى نشاط «شام القابضة»، التي تأسست بمشاركة عشرات رجال الأعمال السوريين وتولى مخلوف رئاسة مجلس إدارتها. وفي الفترة نفسها كان قطاع الطيران السوري يشهد دخول شركات خاصة، ما يضع مشروع المزة ضمن مرحلة أوسع شهدت انتقال قطاعات اقتصادية كبيرة من احتكار الدولة إلى شركات ورجال أعمال قريبين من السلطة.
لكن البحث في استثمارات مخلوف لا يتوقف عند المطار، إذ يظهر في المزة مشروع آخر يفتح خيطاً باتجاه محمد حمشو، هو فندق «ياسمين روتانا».
في أيار/مايو 2010، أعلنت شركة «بنا للعقارات»، الذراع الاستثمارية والتطويرية العقارية لـ«شام القابضة»، إطلاق مشروع «ياسمين روتانا» على طريق دمشق-بيروت في منطقة المزة. وكان المشروع لفندق من فئة خمس نجوم، تديره مجموعة روتانا، فيما تولت شركة «أرابتك» الإماراتية أعمالاً مرتبطة بتنفيذه. وتضع البيانات المنشورة «بنا العقارية» في موقع المطور للمشروع، ما يربط الفندق مباشرة بشبكة «شام القابضة» التي كان مخلوف يتصدرها.
خيوط حمشو داخل شبكة المزة
عند تتبع الشركات والشخصيات التي ظهرت حول مشروع «ياسمين روتانا»، يبرز اسم رجل الأعمال أنس سيفي، الذي كان شريكاً مؤسساً في «شام القابضة»، وعضواً في مجلس إدارة شركة «الفجر» المرتبطة بالمشروع. وتصف قاعدة «رجال أعمال الأسد» سيفي بأنه كان «شريكاً في الظل» لكل من رامي مخلوف ومحمد حمشو، ولا سيما في تجارة وتصنيع المعادن، كما تشير إلى أن عضويته في «الفجر» كانت بالنيابة عن «بنا العقارية».
ولا ينتهي التقاطع عند هذا الحد، إذ يظهر سيفي لاحقاً إلى جانب حمشو بصورة رسمية في قطاع المعادن والصلب. فعندما أُحدث «المجلس السوري للمعادن والصلب» عام 2015، تولى محمد حمشو رئاسته، فيما شغل أنس سيفي منصب أمين السر. وبذلك يظهر الشخص نفسه داخل شركة مرتبطة بمشروع عقاري تابع لشبكة مخلوف في المزة، ثم داخل مؤسسة قطاعية يرأسها حمشو.
لا تثبت هذه المعطيات أن حمشو كان شريكاً في عقد مطار المزة، ولم يعثر التحقيق على وثيقة تمنحه حصة في مشروع «التاكسي الجوي» القديم. كما لا تكفي العلاقات التجارية المشتركة للقول إن مشروعي المطار والفندق كانا جزءاً من صفقة واحدة. لكنها تثبت وجود تقاطعات بين شبكتي مخلوف وحمشو في شركات ورجال أعمال عملوا ضمن الخريطة الاستثمارية نفسها، وهو ما يكتسب أهمية جديدة مع عودة المطار اليوم كمشروع لا يقتصر على الطيران، وإنما يمتد إلى الفنادق والعقار ومراكز الأعمال.
هذه النقطة تحديداً تنقل الملف من تاريخ استثمارات المزة إلى ما حدث بعد سقوط نظام بشار الأسد، حين بدأت السلطات الجديدة إعادة ترتيب ملكية أصول عدد من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق، وكان حمشو أحد أبرزهم.
في تموز/يوليو 2025، كشفت وكالة رويترز، نقلاً عن مصادر مطلعة على التسوية مع حمشو، أنه وافق على التخلي عن نحو 80 في المئة من أصوله التجارية، المقدرة بأكثر من 640 مليون دولار، مقابل تسوية وضعه مع السلطات الجديدة، فيما احتفظ بجزء آخر من ثروته. ومن الأصول التي أشارت التقارير إلى دخولهـا في التسوية مصنع لمعالجة الحديد والصلب، قبل أن تعلن اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، في كانون الثاني/يناير 2026، إنجاز التسوية مع حمشو.
غير أن السلطات لم تنشر حتى الآن كشفاً تفصيلياً بجميع الأصول التي شملتها التسوية، ولا قائمة بالعقارات والشركات والحصص التي انتقلت إلى الدولة، ولا الطريقة التي ستدار أو يعاد استثمارها من خلالها. ولا توجد، استناداً إلى المعلومات المتاحة، وثيقة تربط أياً من أصول حمشو التي انتقلت بموجب التسوية بمطار المزة أو بالمشروع الجديد، لكن غياب قائمة علنية بالأصول يجعل التحقق من وجود ممتلكات أو مصالح في المنطقة ضمن التسوية غير ممكن من المصادر المفتوحة.
مشروع جديد فوق خريطة قديمة
تكتسب مسألة الأصول أهمية إضافية عند العودة إلى المشروع الذي تطرحه هيئة الطيران اليوم. فالمخطط لا يقتصر على إعادة تأهيل مدرج واستقبال طائرات خاصة، بل يتحدث عن «مجتمع طيران» يضم فنادق ومراكز أعمال ومنشآت للصيانة والتدريب، إلى جانب مناطق سكنية وتجارية، وهو ما يجعل المشروع استثماراً عقارياً وخدمياً بالتوازي مع وظيفته الجوية.
وهذا الفارق جوهري عند مقارنة المشروع الحالي بما كان مطروحاً قبل نحو عقدين. ففي 2007 كان الحديث يدور عن تأهيل المطار وتشغيل «التاكسي الجوي»، بينما يمتد المشروع الحالي إلى استثمار المساحات المحيطة بالمطار وإقامة منشآت متعددة الوظائف، ما يرفع قيمة الأرض إلى مستوى لا يقل أهمية عن قيمة تشغيل المطار نفسه.
حتى الآن، لم تعلن السلطات اسم المستثمر أو الشركة التي ستتولى تشغيل المشروع، كما لم تنشر قيمته الإجمالية أو مدة الاستثمار ونسب الشراكة وحصة الدولة، ولم تكشف عن الحدود العقارية للمشروع والمساحات التي ستخصص للفنادق والمراكز التجارية والسكنية. وظهر ملف استثمار مطار المزة بصورة علنية خلال منتدى الاستثمار السوري السعودي في تموز/يوليو 2025، في وقت كانت دمشق توسع علاقاتها الاستثمارية مع الرياض ودول الخليج، إلا أنه لا توجد معلومات موثقة حتى الآن تثبت منح المشروع لشركة سعودية بعينها.
وهنا تكمن الفجوة الأساسية في الملف. فالمعلومات الرسمية تحدد الوظيفة المستقبلية للمطار، والتصريحات السابقة تحدد مكونات المشروع، والأعمال الأولية بدأت بالفعل، لكن الطرف الذي سيستثمر هذه المساحة وشروط حصوله عليها ما زالا خارج الإعلان.
قبل نحو عشرين عاماً، كان اسم «راماك» يظهر في المواد المنشورة عن مشروع تأهيل المطار، وكان رامي مخلوف يتصدر شبكة واسعة من الشركات والاستثمارات. وفي المنطقة نفسها، كانت «شام القابضة» وذراعها العقارية تتحركان في مشاريع كبرى، بينما تكشف سجلات الشركات عن شخصيات تقاطعت أعمالها مع مخلوف ومحمد حمشو. وبعد سقوط النظام، تغيرت مواقع الرجلين؛ خرج مخلوف من المشهد الاقتصادي الذي كان يتصدره، بينما عاد حمشو إلى النشاط بعد تسوية انتقلت بموجبها غالبية أصوله التجارية، وفق المعلومات المنشورة، إلى السلطات الجديدة.
لا تثبت هذه الوقائع أن المشروع الحالي امتداد قانوني لعقد «راماك»، كما لا تثبت أن حمشو شريك في مطار المزة، أو أن أصوله التي انتقلت إلى الدولة دخلت في المشروع الجديد. ما تثبته، في المقابل، أن فكرة استثمار المطار للطيران الخاص تعود إلى مرحلة مخلوف، وأن الخريطة الاستثمارية للمزة شهدت تقاطعات بين شركات وأشخاص ارتبطوا بمخلوف وحمشو، وأن المشروع يعود اليوم بعد عملية واسعة لإعادة توزيع أصول رجال الأعمال السابقين، من دون نشر تفاصيل كافية تسمح بتحديد مصير جميع تلك الأصول.
ولهذا، فإن الوثائق التي ستحدد حقيقة مشروع المزة ليست موجودة في أرشيف 2007 وحده، وإنما في العقد الذي ستوقعه السلطات اليوم. نشر اسم المستثمر، ونسب الشراكة، ومدة الامتياز، وحدود الأراضي الداخلة في المشروع، إلى جانب كشف تفصيلي بالأصول التي آلت إلى الدولة عبر التسويات، سيحدد ما إذا كانت المزة أمام استثمار جديد بالكامل، أم أمام إعادة توظيف لمشاريع وأصول تعود إلى الخريطة الاقتصادية القديمة.
حتى ذلك الحين، تبقى حقيقة واحدة واضحة: مشروع «تاكسي الطائرة» الذي ظهر في زمن رامي مخلوف عاد إلى مطار المزة بعد نحو عقدين، لكن بحجم أكبر، فيما لم تكشف السلطات بعد اسم المستثمر الذي سيحصل على المشروع الجديد.