عاجل
آخر تحديث 17:50

الصندوق السيادي السوري.. سلطة اقتصادية تتسع وأسئلة عن المصادرات وإبراهيم سكرية

تحقيق في اتساع صلاحيات الصندوق السيادي السوري، وانتقال الشركات إلى إدارته، ودور إبراهيم سكرية، والجدل حول قيمة الأصول والرقابة على المال العام.

الصندوق السيادي السوري.. سلطة اقتصادية تتسع وأسئلة عن المصادرات وإبراهيم سكرية
أدوات القراءة
حجم الخط

تتسع دائرة النفوذ الاقتصادي للصندوق السيادي السوري مع انتقال شركات وممتلكات إلى إدارته ودخوله في شراكات استثمارية مع مؤسسات أجنبية. وخلال فترة قصيرة، أصبح الصندوق طرفاً مؤثراً في إعادة تشكيل ملكية الشركات وإدارة الأصول العامة، وسط تساؤلات عن الأسس القانونية لانتقال الممتلكات والجهات التي تراجع قراراته والضمانات المتاحة لأصحاب الحقوق.

أعاد تحقيق نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية في 9 أكتوبر 2026 الملف إلى الواجهة، متناولاً حجم الأصول التي يديرها الصندوق والشركات المرتبطة به والغموض المحيط ببعض جوانب إدارته. وسبق أن أثارت Press 365 أسئلة عن اتساع سلطة الصندوق ودور إبراهيم سكرية، وعن المخاطر التي تنشأ عندما تتداخل إدارة الشركات مع إجراءات استرداد الممتلكات والتفاوض بشأن مستقبلها.

أوردت الصحيفة تقديراً بنحو 50 مليار دولار لقيمة أصول الصندوق، ونسبته إلى وزير المالية محمد يسر برنية. لكن وزارة المالية نفت في 11 أكتوبر صدور أي تصريح رسمي عن الوزير يحدد قيمة تلك الأصول. وبين الرقم المتداول والنفي الرسمي، يظل الجرد المالي التفصيلي ضرورياً لتحديد ما يديره الصندوق بالفعل وكيف جرى تقييمه.

مؤسسة مرتبطة بالرئاسة وصلاحيات واسعة

أُحدث الصندوق السيادي بموجب المرسوم رقم 113 لعام 2025، ويتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري ويرتبط برئاسة الجمهورية. ويحدد المرسوم أهدافه باستثمار الأصول والموارد وإقامة مشروعات تنموية وإنتاجية، كما ينظم عمل مجلس الإدارة والمدير العام والتقارير المالية والتدقيق.

وتمنح هذه البنية الصندوق دوراً مؤثراً في اختيار الشركاء الاستثماريين والتفاوض على تشغيل الممتلكات وتحديد عوائدها. ويصبح الاطلاع على قرارات الإدارة ونتائج التدقيق وتقييمات الأصول أساسياً عندما تتجمع هذه الوظائف في مؤسسة واحدة ترتبط مباشرة بمركز السلطة التنفيذية.

بحسب «فايننشال تايمز»، تشمل المحفظة التي يديرها الصندوق مصانع وعقارات ومراكز تجارية وحصصاً مصرفية، فيما أبلغ الصندوق الصحيفة أن الشركات المرتبطة به تشغّل أكثر من 40 ألف عامل، وأن المؤسسة تضم أكثر من 270 موظفاً. وأوضح أنه يعمل على تطوير إطار الحوكمة وصولاً إلى المعايير الدولية لإدارة الصناديق السيادية.

الشركات المنقولة إلى الصندوق واختبار القانون

يشكل ملف الشركات التي كانت مرتبطة برجال أعمال نافذين في عهد بشار الأسد أحد أكثر الجوانب حساسية. ونقلت «فايننشال تايمز» عن لجنة حكومية معنية باسترداد الأصول المكتسبة بطرق غير مشروعة أن الصندوق شارك في إدارة 32 كياناً اقتصادياً كانت مملوكة لسامر فوز، كما تناولت أصولاً أخرى مرتبطة برجال أعمال من المرحلة السابقة، بينها مركز تجاري في دمشق ارتبط بمحمد ووسيم القطان.

وتحتاج كل عملية انتقال ملكية أو إدارة إلى تحديد سندها القانوني: حكم قضائي أو تسوية أو إجراء إداري، مع توثيق حقوق الشركاء والدائنين والعاملين وإتاحة مسار للاعتراض. وقد أشارت الصحيفة إلى نزاعات بشأن ملكية بعض الممتلكات وصعوبات في تعديل سجلات الشركات، وهي تفاصيل تجعل شفافية الإجراءات ذات أثر مباشر على استقرار الملكية والاستثمار.

كما تبرز أسئلة عن طريقة تعيين إدارات الشركات بعد انتقالها إلى الصندوق، وكيفية تقييم أصولها، والجهة التي تختار المستثمرين الجدد، والقواعد التي تحكم عقود التشغيل أو البيع أو الشراكة. وتحدد الإجابات ما إذا كانت عوائد الممتلكات العامة قابلة للتتبع والمراجعة.

من الإدارة الاقتصادية إلى أدوات النفوذ

سبق أن تناولت Press 365 المخاوف المرتبطة باتساع صلاحيات الصندوق، وظهر في النقاش العام تشبيه نقدي لبعض الأساليب المحتملة بممارسات الأفرع الأمنية في عهد النظام السابق. ويرتبط هذا التشبيه بمسائل الضغط على أصحاب الشركات وغموض مراكز القرار وصعوبة الاعتراض على إجراءات تمس الملكية.

ويقتضي اختبار هذا الوصف تتبع حالات محددة ومراجعة وثائق التسويات والمراسلات والقرارات، والاستماع إلى أصحاب الشركات والمسؤولين المعنيين. فوجود صلاحيات اقتصادية واسعة يفسر حجم المخاطر المؤسسية، بينما يحتاج إثبات التهديد أو الإكراه أو تجاوز القضاء إلى أدلة مباشرة تخص كل واقعة. وتبقى حماية الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة واستردادها مهمة عامة تتطلب إجراءات قانونية تحفظ حقوق الدولة والأفراد.

إبراهيم سكرية.. أسئلة التعيين والعقوبات

ذكرت «فايننشال تايمز» أن ثلاثة أشخاص التقوا إبراهيم سكرية أكدوا توليه الإدارة التنفيذية للصندوق، بينما لم يظهر اسمه ضمن المعلومات القيادية المنشورة على موقع المؤسسة، وفق مراجعة الصحيفة. وأوردت أنه يحمل الجنسيتين اللبنانية والأسترالية وأن اسمه يرتبط بعقوبات أسترالية على خلفية صلات بتنظيم القاعدة في سوريا.

ويستدعي هذا الملف التحقق من وثائق العقوبات الرسمية والأسماء البديلة وحالة الإدراج الراهنة وتطابق الهوية، فضلاً عن نشر وثيقة تعيين المدير العام وتحديد صلاحياته. فالمسؤول الذي يمثل الصندوق أمام القضاء والغير ويتولى صلاحيات مالية واسعة يؤثر وضعه القانوني والإداري في الثقة بالعقود والتعاملات الدولية. والعقوبات الإدارية، في ذاتها، تختلف عن حكم قضائي بالإدانة.

الصفقات المليارية وحصة الدولة

في سبتمبر 2026، أعلنت شركة «أرادا» الإماراتية شراكة مع الصندوق لتطوير مشروع «دمشق الجديدة» غرب العاصمة، بقيمة تطويرية مقدّرة تبلغ سبعة مليارات دولار وعلى مساحة أربعة ملايين متر مربع، ويشمل 11 ألف وحدة سكنية ومرافق تجارية وتعليمية وصحية. وذكر بيان الشركة أن محمد الخياط، عضو مجلس إدارة الصندوق والمسؤول عن قطاع التطوير العقاري، وقّع الاتفاقية ممثلاً عن المؤسسة.

وتثير المشروعات المقامة على أراضٍ عامة أسئلة عن تقييم مساهمة الدولة ونسبة حصتها في المشروع وشروط توزيع الأرباح والمخاطر. كما ينبغي التمييز بين القيمة التطويرية المعلنة والتمويل الذي ضُخ فعلياً، وبين توقيع اتفاقية وبدء التنفيذ وتحقيق إيرادات للخزينة.

وتناول تحقيق الصحيفة أيضاً شراكات واتفاقيات في الصناعة والاتصالات والمدفوعات الرقمية، بينها ترتيبات مع شركات تركية وسعودية وكويتية. ويعكس اتساع القطاعات التي يدخلها الصندوق أهمية نشر المعلومات الأساسية عن العقود، ومعايير اختيار الشركاء، والنتائج التي تتحقق للاقتصاد السوري.

الحسابات المنشورة هي الاختبار

تواجه سوريا مهمة معقدة في استرداد الممتلكات العامة ومعالجة تركة اقتصادية تداخلت فيها السلطة السياسية والمصالح التجارية لعقود. وتزداد أهمية الضمانات المؤسسية كلما اتسع دور الجهة التي تدير هذه الممتلكات وتقرر مستقبل استثمارها.

وتتمثل الخطوات القابلة للتحقق في نشر جرد الأصول وقوائم مالية مدققة، ووثائق تعيين الإدارة العليا، والأسس القانونية لنقل الشركات، والمعلومات الجوهرية عن الشراكات الكبرى، مع توضيح اختصاص القضاء والجهات الرقابية في مراجعة القرارات. وبعد الجدل بشأن رقم 50 مليار دولار، تصبح معرفة القيمة الفعلية للأصول والتزاماتها وعوائدها مسألة مباشرة الصلة بالمال العام.

وسيظل تتبع مسار كل شركة أو عقار، من قرار انتقاله إلى الصندوق حتى تشغيله وتوزيع إيراداته، معياراً عملياً لقياس شفافية إدارة الثروة العامة، وتحديد ما يعود منها إلى الخزينة والمجتمع.